المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٤
بعض تلك الصور قبل أن يقع له الشعور بها مقومة لذاتها و كان غافلا عنها، فيرى ذلك الجمال و البهاء لذاته و المدرك العقلي أيضا ذاته، فوصول سبب الإلذاذ إلى المستلذ العقلي أشد و أوغل من ذاته، و هذه اللذة شبيه باللذة التي للمبدإ الأول بذاته و بإدراك ذاته و للروحانين.
و معلوم أن لذة الملائكة بإدراك ذواتهم العقلية النورية فوق لذة الحمار بإدراك صورة الجماع و القضيم، و نحن لا نشتهي تلك اللذة بالطبع بل بالعقل و لا نحن إليها و لا نتصور من ذواتها إلا باعتبار مفهومات ذهنية صادقة عليها و مفهوم الشيء و معناه غير حقيقته و هويته و نحو وجوده، فإن مفهوم الحلاوة ليس حلوا، إلا أن البرهان و العقل يدعوان إلى وجود المستلذات العقلية، و المعرفة بالعقليات في الدنيا منشأ الحضور و الوجدان في العقبى، لما مر أن المعرفة بذر المشاهدة، و ذلك لأن الحجاب بين العقليات و العقل ليس إلا عدم التفطن بها و هو الجهل أو الاشتغال بغيرها كالبدن و المواد الجسمية و قواها المنطبقة، فإن النفس إنما يتوصل إليها باكتساب العلم بحقائق الموجودات، و القوة العقلية مستعدة بالطبع لقبول الصور المعقولة من المفارق و ليس بعد المفارقة إعراض عن تلك الجهة إلى جانب البدن، فيكون مجرد المعرفة باللذائذ العقلي سبب الوصول إليه عند رفع المانع، و هو الاستغراق بالبدن، و قد انقطع بالموت، بخلاف الشعور بالمحسوسات و التخيل لها، فإنه غير كاف للوصول إليها و الإحساس بها، لإمكان الحجب الجسمانية بين الحواس و محسوساتها اللذيذة، و السبب فيه ضيق وجودها و فقد بعضها عن بعض و غيبته عنه حتى أن الجسم الواحد يغيب جزؤه عن جزء آخر بل عن كله، و كذا يغيب كله عن جزئه، بل لا حضور لشيء منه عند شيء، و كذا الجسماني القائم بالجسم من الصفات و الأعراض.
و لهذا ليس للأجسام بما هي أجسام حياة و إدراك، و الأجسام الحية ليس كونها جسما هو بعينه كونها حية، إنما الحياة لها كون آخر يطرأ عليها بسبب حي بالذات هو نفسها الحيوانية، و لو كان وجود الجسم بما هو وجود الجسم حياة لكان وجود كل جسم حياة له و ليس كذلك.
و أما ما ليس بجسم، فلا يمتنع أن يكون وجوده هو بعينه كونه بصفة الحياة كالموجود الأول و العقول المفارقة الذوات و النفوس و الحياة ليست ما به يكون الشيء حيا، فإنه من المستحيل أن يصير الشيء بهذا الكون ذا هذا الكون، بل حياة الشيء حية كما هو