المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٥٨
فانظر أيها المصنف إلى مرتبة هذا الشيخ" الجليل المنزلة العظيم المرتبة" كيف حقق الأمر و تفطن به.
فإنه كما عرف أن محبة الآثار المختصة بشيء يرجع بالحقيقة إلى محبة نفس ذلك الشيء، فكذلك انكشف له لأجل الرياضات العلمية و العملية أن وجودات الممكنات ليس حقائقها إلا آثارا للحق تعالى و توابع له، بلا اختلاف حيثية، كما زعموا المحجوبون من أن كون الممكن موجودا شيء و كونه أثرا تابعا شيء آخر، حتى يلزم الكثرة في حقيقة الوجود و الاستقلال للأشياء في الكون، بأن صفة الافتقار إلى الحق عارضة للممكنات لا ذاتية لها. بل الحق الحقيق بالتصديق أن حقيقة الممكن ليس إلا عين الافتقار و التعلق بالغير. و هو ظلي الوجود رشحي الذات لكن لكل ممكن من الممكنات نوع حكاية عن الحق تعالى، متفاوتة بحسب قربها و بعدها و كثرة قشورها و قلتها، كما في المرايا المتخالفة المقادير و الأوضاع و الصقالات المحاكية لصورة شخص بعينه، فإنها لا محالة اختلفت في حكاياتها عظما و صغرا و تحديبا و تقعيرا و استقامة و إعوجاجا و صفاء و كدورة. مع أن المرئي في الجميع صورة واحدة بلا تفاوت. فكذلك حكم الممكنات في قبول تجلي الحق الأول و حكايتها عن ذاته.
و لنعطف عنان الكلام إلى ما كنا فيه و نرجع إلى حيث فارقناه، و هو أن الواجب تعالى لا يحب إلا نفسه، فمحبته لما سواه لا يؤدي إلى نقص فيه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
و ما ورد من الألفاظ في حبه لبعض عباده على وجه أخص من الوجه العام فهو يرجع إلى كشف الحجاب عن قلبه حتى يراه بقلبه، و إلى تمكينه إياه من القرب منه، و إلى إرادته ذلك به في الأزل لقوة استعداده الحاصلة له بالفيض الأقدس.
فحبه تعالى لمن أحبه أزلي مهما أضيفت إلى الإرادة الأزلية و العلم الأزلي بوجه نظام الخير.
و إذا أضيفت إلى فعله و توفيقه إياه و هدايته و تسهيله سبيل الحق الذي يكشف به الحجاب عن قلب عبده فهو حادث في صدور حدوث السبب المقتضي له المسمى بالفيض المقدس. (فهو حادث في حدود السبب ... م ش).