المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠
و إذ لا يصدر من الحق الأول إلا واحد، فإن صدر عن ذلك الواحد أيضا واحد و هكذا استمرت السلسلة في اقتضاء الواحد، فلا ينتهي نوبة الوجود إلى الجسم و قواه و أعراضه أبدا.
و لكنه قد وجد فلا بد من وقوع كثرة في الصادر الواحد الأول كثرة لازمة من غير تعلق الجعل و التأثير بها بالذات، كما في لوازم الماهيات، على ما حقق في موضعه، و إلا لزم صدور الكثرة عن الواحد الحقيقي.
و أيضا ليس يصدر الأفلاك كلها عن عقل واحد أخير، لما علمت أن لكل واحد محركا متشوقا إليه.
فبقي أن يكون للعقل الذي هو مبدأ الفلك الأعلى هوية و إمكان في نفسه، و وجوب بالأول و تعقل للاعتبارات.
قال المشاءون فتعقل المعلول الأول لوجوب وجوده و نسبته إلى الحق الأول يقتضي أمرا أشرف، و هو العقل الثاني، و تعقله لإمكانه في نفسه أمرا آخر، و هو جرم الفلك الأقصى، إذ الإمكان أخس الجهات شبيه بالقوة، فيناسب الهيولى، و باعتبار تعقله لماهيته نفس هذا الفلك المتحركة بالشوق إليه. ثم من الثاني بالجهات الثلاث المذكورة أيضا عقل و فلك الكواكب و نفسه. و من الثالث بالثلاث عقل و نفس و فلك زحل، و هكذا إلى أن يتم الأفلاك التسعة و العقول العشرة.
و العاشر باعتبار تعقل إمكانه يحصل منه الهيولى المشتركة التي للعناصر، و باعتبار تعقل ماهيته صورها النوعية و الجسمية و باعتبار نسبة الوجود إلى المبدإ نفوسنا الناطقة.
و هذه الأمور الثلاثة من حيث حقيقتها و نوعيتها مجملة يصدر من الجهات الثلاث التي هي الحيثيات الفاعلية.
و أما تعددها من حيث الأشخاص و تفصيلها فباعتبار جهات قابلية تحصل لكثرة المعاونات و الموجبات للاستعدادات المختلفة، فإن تكثر حيثيات الفاعل يوجب التخالف النوعي في الأثر، لأن آثار الحقائق المختلفة مختلفة.
و أما تعدد التشخص لنوع واحد فلا يحصل إلا باختلاف القابل أو باختلاف استعداده، لأن الفاعل متساوي النسبة إلى جزئيات واحد نوعي، و الماهية متفقة في