المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٩
يكون هو عقلا و عاقلا بالفعل، إما بجميع ما هو كذلك، و إما بالأقرب في المرتبة، و هو العقل الفعال، على قياس ما مر من نسبة الفعل إلى ما يقرب إليه في سلسلة الوجود. و إن كان المؤثر الحقيقي واحدا حقيقيا و موجودا استقلاليا غنيا.
و كل من الحق الأول و العقول المفارقة فعال، لكن الأقرب إلينا فعال بالقياس إلينا، و هو المسمى بروح القدس في لسان الشرع، و هو المعلم الشديد القوى المؤيد بإلقاء الوحي على الأنبياء ع، و هو الذي إذا اتصلنا به أيدنا و كتب في قلوبنا الإيمان و العلوم الحقة.
و إذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى مشاغل الدنيا انمحت النقوش عن النفوس.
فنفوسنا كمرآة صيقلية إذا أقبلت إليها فقبلت و إذا أعرضت عنها فتحلت.
و هذه التغير للنفس على حسب استعداداتها و أفكارها لا يتغير من قبل المفارق، لبراءته عنه.
و معنى كونه فعالا أنه بالفعل من كل جهة من غير شائبة قوة بحسب الوجود، لا أن فيه شيئا ما هو قابل للصور المعقولة و شيئا هو كمال و صورة، بل ذاته صورة عقلية قائمة بنفسها.
فذاته صورة نفسه و كمالها لا صورة غيرها كالمادة، فلا محل لإمكانه لأنه محض الفعلية.
فإمكانه مجرد اعتبار عقلي لا حظ له من الثبوت إلا في الذهن.
فالجواهر المفارقة أنوار عقلية لا ظلام لها، و صباحات ضوئية لا ليل لها إلا ما صار مختفيا تحت سطوع النور الأول بحيث يمتنع خروجه من كتم الخفاء، لأنه تعالى قهار للعدم و ألبسهم بالوجود و التحصل جبار للقوة و الإمكان بالفعل و التكميل.
و قد علمت الفرق بين ما يكون في الواقع و بين ما يكون في مرتبة ذهنية من الواقع، و كل عقل و معقول لا يكون فيه شوب قوة واقعية فهو عاقل لذاته، لأن ذاتها إحدى الموجودات الصورية بلا مخالطة غواش مادية و عوارض ظلمانية ساترة لوجهها، حتى يحتاج في معقوليتها إلى عمل عامل و إلى تعرية معر و تجريد إياها.