المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٩
الملكوت و التدبر في حضرة الربوبية و الحقائق الخفية الإلهية، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه من دقائق آفات الأعمال و خفايا عيوب النفس، إن كان متفكرا فيها أو مصالح المعيشة أو التفقه في الفتاوى، إن كان متفكرا فيها.
و إذا كان تقيد الهم بالأعمال و تفضيل الطاعات مانعا عن انكشاف جلية الحق فما ظنك في صرف الهم إلى شهوات الدنيا و علائقها، فكيف لا يمنع من الكشف الحقيقي.
و هذا في مثال المرآة هو كونها معدولا بها عن جهة الصورة إلى غيرها، كما إذا كانت الصورة وراء المرآة.
الرابع، الحجاب فإن المطيع القاهر لشهواته المجرد الفكر في حقيقة من الحقائق، قد لا ينكشف له ذلك لكونه محجوبا عنه باعتقاد سبق إليه منذ الصبا على سبيل التقليد و القبول لحسن الظن يحول بينه و بين حقيقة الحق و يمنع أن ينكشف في قلبه خلاف ما تفقه من ظاهر التقليد.
و هذا أيضا حجاب عظيم به حجب أكثر المتكلمين و المتعصبين للمذاهب، بل أكثر الصالحين المتفكرين في ملكوت السماوات و الأرض لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية، جمدت في نفوسهم و ترسخت في قلوبهم و صارت حجابا بينهم و بين درك الحقائق، و هذا في مثالنا الحجاب المرسل بين المرآة و الصورة.
الخامس، الجهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب، فإن طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم بالمجهول إلا بالتذكر للعلوم التي يناسب مطلوبه حتى إذا تذكرها و رتبها في نفسه، ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء بطريق الاعتبار و التفطن بالمعارف، فعند ذلك يكون قد عثر على جهة المطلوب، فيستجلي فيه حقيقة المطلوب لنفسه، فإن العلوم المطلوبة التي بها يحصل السعادة الأخروية ليست فطرية، فلا يقتض إلا بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم فلا يحصل إلا عن علمين سابقين يتألفان و يزدوجان على وجه مخصوص، فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على مثال ما يحصل النتاج من ازدواج