المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٤
و من اعتراضات الإمام الرازي أنا نعلم قطعا أن الذوق- أعني إدراك المذوقات- ليس بالدماغ، كما أنه ليس بالعقب، و كذا اللمس. و أيضا، إذا أبصرنا شيئا فلسنا مبصرين به مرتين أحدهما بالعين و الأخرى بالدماغ.
و الجواب أن من المعلوم قطعا أن الدماغ ليس آلة الذوق أو اللمس أولا و على وجه الاختصاص، و أما أنه لا مدخل له فيه فلا. كيف، و الآفة في الدماغ توجب اختلال الذوق و اللمس و غيرهما من الحواس، بخلاف الآفة في العقب و أيضا نجد الفرق بين الذوق و تخيل الذوق، و نعلم قطعا أن تخيل الذوق ليس في العقب.
و منها أنا لا نسلم أن اتصال هذه الارتسامات إذا لم يكن في البصر يكون في قوة أخرى.
لم لا يجوز أن يكون في الهواء بأن يتصل التشكلات في الأجزاء الهوائية المتجاورة؟
و أجاب عنه الحكيم الطوسي- رحمه الله- بأن بقاء التشكل السابق عند حصول تشكل بعده يقتضي الخلاء، فإن التشكل إنما يحدث في الهواء لنهاياته المحيطة بالجسم المتحرك فيه، و بقاء النهايات بحالها بعد خروج المتحرك عنها يقتضي إحاطة النهايات بالخلاء.
أقول: لزوم الخلاء ممنوع، و إنما يلزم لو كانت المشاهدة دفعية لأي شيء كان إذا لم يكن تعلقها بأمر تدريجي الوجود كالحركة أو المتحرك من حيث هو متحرك، و ذلك ممنوع.
فيجوز أن يكون كل واحد من التشكلات المتتالية مشاهدا في الآن المختص به، لا في آن التشكلات اللاحق ليلزم الخلاء. (في آنه ... و في آن الشكل اللاحق- خ ل) و لقلة الزمان و سرعة الحركة يظن أن المجموع مشاهد دفعة. (يشاهد- خ ل) و الثاني منه الخيال، و يقال له" المصورة"، و هي قوة مرتبة في آخر التجويف الأول من الدماغ بحسب المشهور، و يجتمع فيها مثل جميع المحسوسات و يبقى فيها بعد الغيبة عن الحواس و بنطاسيا، و هي خزانتها، و ليست خزانة للحواس، و إن كانت مدركاتها محفوظة فيها.
لأن الحواس الظاهرة لا يدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال، بل بإحساس جديد من خارج، فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها، بخلاف الحس المشترك.
المبدأ و المعاد ؛ ص٢٤٥