المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٨١
و لو كان إدراك النفس لتلك الأمور بصورة مأخوذة عنها لأدركتها على الوجه الكلي كما ذكرنا من أن كل صورة في النفس فهي كلية و إن تخصصت أيضا من كليات كثيرة و لا يمنع الشركة لنفسها.
و مما يؤكد أن لنا علوما لا نحتاج فيها إلى صورة أخرى غير حضور ذات المدرك ما قيل من أنا نتألم بتفرق اتصال وقع في عضو من أعضائنا و نشعر به، و ليس ذلك بأن تفرق الاتصال يحصل له صورة أخرى في ذلك العضو أو في غيره، بل المدرك نفس تفرق الاتصال و الألم المحسوس بذاته لا بصورة تحصل منه.
فيدل على أن من الأشياء المدركة ما يكفي في إدراكه مجرد حضور ذاته للنفس أو لأمر له تعلق حضوري خاص بالنفس.
و من الشواهد الدالة على ما ذكرنا- أعني ثبوت العلم الحضوري- أن صورة ما قد تحصل في آلة إدراكية و النفس لا تشعر بها كما إذا استغرقت في فكرة أو فيما يؤديه حاسة أخرى.
فلا بد من التفات النفس إلى تلك الصورة، فالإدراك ليس إلا بالتفات النفس إلى ما تشاهده، و المشاهدة ليست بصورة كلية، بل صورة جزئية.
فلا بد و أن يكون للنفس علم إشراقي حضوري ليس بصورة.
و من العرشيات الإلهامية لإثبات هذا المطلب أن النفس في مبدإ فطرتها خالية عن العلوم الانتقاشية كلها بلا ريب. و لا خفاء في أن استعمال الآلات يتوقف على العلم بالآلات.
فلو كان ذلك العلم بالارتسام لزم توقفه على استعمال الآلات المتوقف على العلم بالآلات، و هكذا يعود الكلام، فإما أن يدور أو يتسلسل، و هما محالان. فأول علوم النفس هو علمها بذاتها، ثم علمها بقوى البدن و الآلات التي هي الحواس الظاهرة و الباطنة.
و هذان العلمان إنما هما علمان من العلوم الحضورية.
ثم بعد هذين العلمين ينبعث عن ذات النفس بذاتها استعمال الآلات بدون تصور هذا الفعل الذي هو استعمال الآلات و التصديق بفائدته، فإن هذا الاستعمال ليس فعلا اختياريا بمعنى كونه حاصلا بالقصد و الروية، و إن كانت النفس عالمة به مريدة له.
لأن إرادة ذلك الفعل إنما ينبعث عن ذاتها لا عن رويتها.