المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٦١
و مما هو خير و شر.
و يكون حصوله تابعا لضرب من القياس و التفكر غايته أن يوقع رأيا في أمر جزئي مستقبل من الممكنات، إذ الأمور الضرورية و المستحيلة لا يروى فيها ليوجد أو ليعدم.
و ما مضى فقد فات و الروية عبث.
و إذا حصل الرأي الجزئي يتبع حكم القوة المروية قوة أخروي في أفعالها التحريكية أولاها القوة الشوقية الغائية المسماة بالباعثة، و الأخرى القوة الفاعلية المسماة بالمحركة.
كل هذه يستمد في الابتداء من القوة المتصرفة في الكليات بإعطاء القوانين كبريات القياس فيما يروى، كما يستمد من التي بعدها صغريات القياس و النتيجة الجزئية.
فللنفس في ذاتها قوتان: نظرية و عملية، و تلك للصدق و الكذب. و هذه للخير و الشر في الجزئيات. و تلك للواجب و الممكن و الممتنع، و هذه للجميل و القبيح و المباح.
و لكل من القوتين شدة و ضعف في فعلها، و رأي و ظن في عقلها.
و العقل العملي يحتاج في أفعاله كلها دائما إلى القوى البدنية. و أما العقل النظري فله حاجة ما إليها لا دائما، بل قد يكفي لذاتها، كما في النشأة الأخروية، سواء كان في طبقة الكروبيين من المقربين أو يكون في صنف المتوسطين و أصحاب اليمين، فإن أنهار الجنة و أشجارها و حورها و قصورها و سائر الأشباح الأخروية إنما تنبعث من ذات النفس و شهواتها و تصوراتها، كما في قوله تعالى:" فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ"، كما سنبينه عنقريب في كيفية الحشر الجسماني إن شاء الله. فجوهر النفس مستعد لأن يستكمل نوعا من الاستكمال بذاتها و بما هو فوق ذاته بالعقل النظري، و مستعد لأن يتحرز من الآفات و يتصرف فيما دونها بالعقل العملي.
و لكل منهما مراتب استعداد و كمال و حركة إلى الكمال.
فالأول يسمى من كل منهما" عقلا هيولانيا"، و الغاية" عقلا بالفعل"، و الأوسط" عقلا بالملكة" كما ستشرحه.
و الأوسط في الأول المقدمات الأولية، و في الثاني الآراء المشهورة و هيآت أخرى.