المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١١٦
الواجب الوجود لما كان عالما بذاته، و ذاته مبدأ لصدور جميع الأشياء، يجب أن يكون عالما بجميع الأشياء، علما متحققا في مرتبة ذاته مقدما على صدورها لا في مرتبة صدورها.
و إلا لم يكن عالما بالأشياء باعتبار ذاته، بل باعتبار ذوات الأشياء.
فلا يكون له علم بالأشياء يكون ذلك العلم صفة كمال في حقه تعالى، و هو محال.
فزعموا أن علمه تعالى بمجعولاته منطو في علمه بذاته، فكما أن علمه تعالى بذاته هو ذاته فكذا علمه بمعلولاته، فإذا كان ذاته علة لوجود ما عداه فعلمه بما عداه كذلك، فعلمه بها يكون فعليا.
و يرد عليه أنه كيف يكون شيء واحد بسيط في غاية الوحدة و البساطة صورة علمية لأشياء مختلفة متكثرة؟
فقد انثلم قاعدتهم أن العلم بالشيء يجب أن يكون متحد الماهية مع ذلك الشيء.
و كيف يتميز الأشياء بمجرد هذا العلم و أنها لم توجد ماهياتها بعد أصلا؟
و هل هذا إلا تمايز المعدومات الصرفة؟
و أجيب عن الأول بأنه كما أن بالصور العلمية المخصوصة بشيء يتميز ذلك الشيء، كذلك بالمقتضي لخصوصية شيء يتميز ذلك الشيء. لأن المقتضي باقتضائه يتميز ذات المقتضي و صفاته بحيث لا يشاركه غيره.
و كما أن الصورة التي بها يتميز الشيء إذا حصلت عند المدرك كانت علما به، كذلك المقتضي الذي يتميز به الشيء إذا حصل عند المدرك كان علما به.
و لما كان المقتضي لجميع الأشياء على ما هو عليه في الواقع أمرا واحدا يتميز باقتضائه كل ذرة من ذرات الوجود عما عداه، فلا استبعاد في أن يكون ذلك الأمر الواحد بحيث إذا حصل عند المدرك كان علما بكل واحد منها.
فحينئذ يكون جميع الأشياء في الشهود العلمي الذي هو بمنزلة الوجود الذهني أمرا واحدا.
و دفعه بعض المحققين بقوله: لما كانت العلة مباينة للمعلول مغايرة له في الوجود فلا يكون حضورها حضوره. و ما لم يحضر الشيء عند المدرك لا يكون مشعورا به بمجرد كونه مبدأ امتيازه.
على أن قياس العلة على الصورة و إزالة الاستبعاد بذلك مستبعد جدا. إذ الصورة عين