المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١١٥
و لا أنه تعالى أوجده فعلمه، ليلزم أن يكون علمه انفعاليا مستفادا من المعلوم، بل أوجده عاقلا له، أي نفس وجوده نفس معقوليته.
فإيجاد المبدإ الأعلى له عين العلم به، و كذلك حكم البواقي من الممكنات.
فعلمه تعالى بالأشياء حضوري فعلي و لا يلزم أن يكون فاعلا موجبا، لأن اقتضاء الشيء للشيء إن كان مع شعور بالشيء المقتضي فهو إرادة، و إن كان بلا شعور فهو ميل طبيعي.
و لا فرق بين الميل الطبيعي و الإرادة، إلا أن الأول لا يقارن الشعور، بخلاف الثاني.
و الحاصل أن مقارنة الشعور و العلم للفعل الناشي من نفس ذات العالم كاف في كونه إراديا، و بمجرده يتحقق الاختيار.
و لا يلزم السبق الذاتي، كما لا يلزم السبق الزماني على ما يدعيه المتكلمون.
فإن قلت: أ ليس مدار المعقولية و العاقلية عندهم على التجريد عن المادة؟
فكيف يصير الأشخاص الجسمانية معقولة بأنفسها لا بالصور المنتزعة عن موادها؟
قلت: ذلك إنما يكون في الأشياء التي لم يتحقق للعاقل بالقياس إليها علاقة وجودية و تسلط علي قهري و عدم احتجاب.
فإذا تحقق ما ذكر يكفي العاقلية بمجرد الإضافة الشهودية الإشراقية، كما سبق.
و إلى هذا أشير بما يوجد في كلام بعضهم" أن الشيء المادي و الزماني بالنسبة إلى المبادىء غير مادي و لا زماني" يعني به ارتفاع أثر المادة و أثر الزمان عنه و هو الخفاء و الغيبة.
فقد علم بتمام ما ذكرناه في طريقة الإشراق أنها أسد الأقوال المذكورة في كيفية العلم الأول تعالى بالأشياء.
و لها قصور من جهة أن مناط العلم الأول تعالى بالأشياء لو كان نفس وجوداتها و ظهوراتها لم يكن له علم كمالي لشيء ثابت له تعالى في حد ذاته، بل يكون ذوات المجعولات (المعقولات خ. ل) صورا علمية له. و عالميته تعالى إضافته الشهودية.
و لا شك أن وجود الممكنات و إضافة الحق الأول إليها إنما يكون بعد مرتبة ذاته تعالى.
فلا يكون الواجب تعالى في مرتبة ذاته عالما بشيء غير ذاته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
و فيه سر عظيم.
و أما القول بأن الله تعالى يعلم جميع الأشياء بعلم واحد هو ذاته تعالى فبيانه أن