المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٨
كل واحد من هذه الحشرات في ساعة ما لا يتكون من الإنسان في ألوف من السنين.
لا يقال: قد يحصل وباء عام أو طوفان كلي، يهلك كل ذي نفس، فيلزم زيادة الفاسد على الكائن ضرورة.
لأنا نقول: هذا غير معلوم الوقوع، فإن الوباء العام لجميع أصناف الحيوانات الشامل لجميع النواحي بحيث لا يبقى حيوان أصلا غير متيقن، و المتيقن وجود الوباء في بعض نواحي الأرض دون غيرها، و كذا الكلام في الطوفان، إذ لا يلزم منه أيضا أن الفاسد من الإنسان أكثر من الكائن من الحيوان، لجواز أن يكون بإزاء ما فسد منه كائنات من الحيوانات البحرية كالحيتان و نحوها، أو الحشرات الأرضية كالدود و أمثالها، و لا استبعاد في أن يكون لكل قوم من أرباب الصناعات الدنياوية أمة من الصوامت البحرية و البرية، تشبههم خلقا و عيشة، كالجند من الأتراك الذي يشبه خلقهم و عيشهم أخلاق السباع و عيشها، فلا جرم بعد موت ذلك القوم تنتقل نفوسهم إلى أعظم نوع من السبع، ثم إلى الأوسط على المراتب الكثيرة، ثم إلى الأصغر في أحقاب كثيرة و أزمنة متطاولة إلى أن يزول عنها تلك الهيئة الردية، فحينئذ يترقى إلى عالم الجنان كما مر.
و أقول: العمدة في بطلان التناسخ على جهة النزول، هي ملاحظة أن الصورة في كل مركب عنصري أو فلكي، يقوم المادة و أن المادة فيه تعين الصورة و تخصصها، بل نقول: بين كل صورة سواء كانت نفسا أو غير نفس و بين مادتها، سواء كان بدنا، أو غيره نوع اتحاد لا يمكن زوال أحدهما و بقاء الآخر بما هما صورة و مادة، فإن نسبة المادة إلى الصورة نسبة النفس إلى التمام.
و هذا ما برهن عليه بالبينات البرهانية و التعليمات الإلهية، فوجود كل مادة بما هي مادة إنما هو بصورتها التي بها يخرج من القوة إلى الفعل، و هذية كل صورة بما هي صورة إنما هي بمادته التي هي قابلة لتشخصاتها و لوازمها و عوارضها، فإذا تكونت مادة من المواد، تكونت معها صورتها التي يكون من سنخها، و إذا فسدت، فسدت صورتها، لما علمت أن الصورة ليست إلا تمام المادة و كمالها، فوجود الشيء الناقص من حيث هو ناقص مستحيل، و كذا كمال الشيء بما هو كماله إذا فسد، فسد ذلك الشيء، نعم ربما يكون للصورة لا بما هي صورة لشيء بل باعتبار كونها ذاتا مستقلة حاصلة لذاتها وجود آخر، و ربما يكون لمادة الشيء (لا بما هي مادة له) تقوم بصورة أخرى يوجد معها و يتحد