المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١١٤
أجاب بأن وقوعها عنه بسبب جودة الترتيب الأنيق الواقع بين المجردات العقلية و النسب اللازمة عنها.
فإن للعقول عند شيخ الإشراق كثرة وافرة غير محصورة، بل على وفق تكثر الأنواع الجسمانية.
فإن هذه الأصنام مع هيئاتها اللازمة و نسبتها الوضعية ظلال لتلك الأرباب النورية و نسبتها المعنوية عنده.
و بالجملة، فمسلك هذا الحكيم أصلح المسالك في كيفية علم الواجب بالحق. و بعد طريقته طريقة العلامة الطوسي في الوثاقة لكنها غير تامة تتم بأدنى نظر، كما فعلناه.
فإن قلت: على كل واحدة من هاتين الطريقتين يلزم أن لا يكون علمه تعالى بالأشياء علما فعليا، و لا يكون صدور الأشياء عنه تعالى باختياره.
قلت: للعلم الفعلي عندهم صورتان:
الأولى أن يكون العلم سببا للمعلوم بالعرض و مقدما عليه تقدما ذاتيا، كما إذا أراد بناء- بناء بيت فتصور أولا صورته.
فقد أحدث البناء أولا صورة ذلك البيت في ذهنه، ثم أوجد مثلها في الخارج على وفق تصوره.
الثانية أن يكون العالم بما هو عالم علة بالذات للمعلوم من حيث هو معلوم، سواء كان أمرا ذهنيا أو عينيا.
فكما أن العالم بالصورة الأولى يعلم الصورة الذهنية بنفس اختراعها، و ليست معلومة بصورة أخرى، بل نفس حصولها عنه في ذهنه نفس معلوميتها له، كذلك العالم في الصورة الثانية يعلم العين الخارجي بإيجاده. و علمه بالصورة الخارجية نفس إيجاده لها. (فالعلم بالصورة هناك تصورا و بالعلم هنا حضورا، كلاهما علم فعلي و المعلوم، معلوم بالذات و العلم ... ق ل).
فالعلم بالعين في الصورة الأولى فعلي أيضا، و لكن المعلوم معلوم بالعرض.
ففي الشق الأول، الفاعل يصدر عنه فعله عن ذاته مع علم مكتسب زائد على ذاته.
و في هذا الشق يصدر عنه فعله عن نفس بما هو ذات عالمة.
فالمبدأ الأعلى أوجد المعلول الأول من ليس، و في حال إيجاده علمه، لا أنه تعالى علمه فأوجده حتى يلزم تكرر التعقلات الموجب للتسلسل في الارتسامات أو في الوجودات.