المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤١٩
" أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ".
قال الإمام الرازي:" وجه الاستدلال أن النار صاعدة بالطبع و الشجر هابط، و أيضا النار نورانية، و الشجر ظلمانية، و النار حارة يابسة، و الشجر باردة رطبة، فإذا أمسك الله في داخل تلك الشجرة تلك الأجزاء النورية النارية، فقد جمع بقدرته بين هذه الأجزاء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوان و تأليفها، و إن الله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال:" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً".
و اعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء و النار و ذكر في سورة النمل أمر الهواء، فقال:" أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ" إلى قوله:" أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" و ذكر الأرض في قوله: وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً. فكأنه سبحانه بين أن العناصر على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر و النشر. هذا كلامه و فيه ما فيه.
الأمر الثاني من الأمور الدالة على إمكان الحشر ما يستفاد من كلام أئمة التفسير، أن الله تعالى يقول: لما كنت قادرا على الإيجاد أولا، فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى.
و هذه الدلالة تقريرها في العقل على الوجه المشهور ظاهر، و أما على الوجه الذي ذكرناه، فهو أن الإعادة نوع إنشاء كالإبداع، لأن ما هو فعل الحق بالذات في الإبداع إنما هو إفاضة الصور على المركبات و إنشاؤها، لا التركيب و التمزيج الذي هو نوع تحريك و تبديل.
فإن الإنشاء الثانوي لكونه أصفى و ألطف من الإنشاء الأولي أقرب بأن يكون فعله تعالى و أليق كما أشرنا إليه، و الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه العزيز، منها في البقرة" كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ".
و منها قوله تعالى:" أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً، أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً، قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا، قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ".
و منها قوله تعالى:" هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ