المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨
فصل في كيفية صدور الأشياء عن المدبر الأول
و قد علمت أن الموجود الأول واجب الوجود من جميع جهاته و لا كثرة له بوجه من الوجوه. و هو إحدى الذات، إحدى الصفات، إحدى الفعل. و أن لا صفة له إلا وجوب الوجود و سائر الصفات يرجع إليه و هو يرجع إلى ذاته.
فنقول: لا فعل له إلا إفاضة الوجود و جميع الصفات الفعلية له راجعة إلى الإبداع للوجود و الإفاضة للخير و ما يوجد شيء منه إنما يوجد بما هو هو لا بما هو غير ذاته، بخلاف غيره.
فإنا نكتب لأجل صفة الكتابة، و نتكلم لأجل الاقتدار على تأليف الكلمات، و نمشي لأجل القوة على الحركة.
و لا نفعل شيئا من الأفاعيل من حيث كوننا جوهرا ناطقا فنتذوت و نتجوهر بمعنى و نفعل و نتحرك بمعنى آخر.
و كلما فاض عن الواجب فإنه انبعث عن صريح ذاته و حاق حقيقته من غير صفة زائدة أو إرادة متجددة أو داع مستأنف أو انتظار وقت أو فرصة أو طلب ثناء أو محمدة.
فأول الصوادر منه موجود إحدى الذات و الهوية، و لا يكون ذلك عرضا و لا صورة لتأخرهما عن الموضوع و المادة، و لا مادة لتقومها بالصورة. و لا جسما لتركبه. و لا نفسا لتقومها في تشخصها و فاعليتها بالمادة.
فأول الصوادر عن البارىء- جل ذكره- جوهر مفارق عن المادة ذاتا و فعلا سماه بعض الأوائل" عقل الكل" و" العنصر الأول". و هو أعظم الممكنات و أشرفها، بالحدس و بقاعدة إمكان الأشرف، نسبته إلى العقول في الباديات نسبة العقل المحمدي إلى عقول الأنبياء و الأولياء في العائدات، صلوات الله عليهم أجمعين.
و اعلم أنك قد علمت مرارا أن الجسم لا يصدر عنه الجسم. و للأفلاك خصوصية أخرى