المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٨
فلم يعرف نفسه و لا ربه، و ما لم يعرف ربه بالربوبية فكذلك لم يعرف ربه و لا نفسه، إذ كما أن معنى العبودية مقوم له، كذلك معنى الإلهية و الربوبية عن ذاته تعالى، بمعنى أن ذاته من غير انضمام معنى إليه إله و رب للعالم.
و لهذا قال الله تبارك و تعالى" وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" أي، ليكونوا عبيدا.
و فيه سر النفس حيث يكون حقيقتها جوهر نوري عقلي لا وجود له ما لم يصر عقلا بالفعل، و هي مع ذلك لمعة من لمعات نور الله المعنوية، فما لم يعرف نفسه كذلك، و ربه كذلك، لم يكن نفسه موجودا، بل صارت نسيا منسيا، كالمعدوم رأسا. و إليه أشار سبحانه بقوله:" نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ".
فقد علم أن مقصود الشرائع ليس إلا معرفة الله و الصعود إليه بسلم معرفة النفس بالذلة و العبودية، و كونها لمعة من لمعات ربه مستهلكة فيه، فهذا هو الغاية القصوى في بعثة الأنبياء، لكن لا يحصل هذا إلا في الحياة الدنيا لكون النفس في الأول لكونها ناقصة بالقوة كما علمت، و الارتقاء من حال نقص إلى حال تمام لا يكون إلا بحركة و زمان و مادة قابلة.
و وجود هذه الأشياء من خصائص هذه النشأة الحسية، و هو المعنى بقوله عليه:
" الدنيا مزرعة الآخرة".
فصار حفظ الدنيا التي هي النشأة الحسية للإنسان أيضا مقصودا ضروريا تابعا للدين، لأنه وسيلة إليه.
و المتعلق من أمور الدنيا بمعرفة الحق الأول و الزلفى لديه و تحصيل النشأة الآخرة و التقرب إليه تعالى شيئان النفوس و الأموال.
و من هاهنا يعرف مراتب الطاعات و المعاصي، و أن أي الطاعات أفضل الفضائل و أعظم الوسائل المقربة لديه، و أيها أدون، و أن أي المعاصي أكبر الكبائر المبعدة عنه، و أيها أدون ذلك. فإذا كان معرفة الله هي الغاية القصوى و الثمرة العليا، فأفضل الأعمال الدنيوية ما به يحفظ المعرفة على النفوس إما بالتعليم و الهداية أو بالتعلم و الدراسة و الرئاسة.