المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٥١
أحس بها.
و عوارض البدن أوجب مثل هذا الخدر، فإذا فارقت النفس البدن بالموت أدركت ما هو حاصل للنفس من ألم الجهل إن كان جاهلا ردي الخلق، و لذة العلم إن كان عالما زكي الطبع حسن الخلق.
فإذا تمهدت هذه القوانين، يحصل منها أن الواجب تعالى أجل مبتهج بذاته، لأنه مدرك لذاته على ما هو عليه من الجمال و البهاء و هو مبدأ كل جمال و زينة و بهاء و مبدإ كل حسن و نظام.
فهو من حيث كونه مدركا أجل الأشياء و أعلاها و أشدها قوة، و من حيث كونه إدراكا أشرفها و أكملها و أقواها، و من حيث كونه مدركا أحسنها و أرفعها أبهاها.
فهو إذن أقوى مدرك لأجل مدرك بأتم إدراك بما هو عليه من الغبطة و الكمال.
و من نظر إلى سرور الإنسان و ابتهاجه بنفسه إذا استشعر بكماله في الاستيلاء بالعلم أو الاستيلاء بالغلبة و الملك على جميع الأرض إذا انضاف إليه صحة البدن و جمال الصورة و انقياد كافة الخلق.
فإن هذين الأمرين، أي الاستيلاء العلمي على الجميع و الاستيلاء العيني على البعض، لو تصور اجتماعهما لشخص لكان غاية اللذة، مع أن أحدهما مستفاد من الغير و الآخر مستعار معرض للزوال، و لا يرجع إلا إلى معرفة أمور حصولها حصول ذهني غير عيني و استيلاء على بعض نواحي الأرض التي لا نسبة لوجودها إلى أجسام العالم فضلا إلى الجواهر العقلية و الملائكة الروحانية. فقياس لذة الأول تعالى إلى لذتنا كقياس كماله تعالى إلى كمالنا إذا فرضت لنا مثل هذه الحالة.
فقد قال بعض العلماء: لو لم يكن له تعالى من اللذة بإدراك جمال ذاته إلا ما لنا من اللذة بعرفانه مهما التفتنا إلى جماله و قطعنا النظر عما دونه و استشعرنا عظمته و جلاله و جماله و حصول الكل منه على أحسن نظام و انقيادها له على سبيل التسخير الجبلي و الطاعة الطباعية و دوام ذلك أزلا و أبدا من غير إمكان تغير، لكان تلك اللذة لا يقاس بها لذة.
و كيف، و إدراكه لذاته لا يناسب إدراكنا له لأنا لا ندرك من ذاته و صفاته إلا أمورا جمليا يسيرة.