المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤١٠
و القابل، إذ موضوع هذه الصور الجسمانية الدنياوية هي الهيولى العنصرية و هي في غاية الكدورة و النقص و الضعف، و موضوع تلك الصور الجسمانية الأخروية هي النفس الإنسانية بقوتها العلمية الخيالية التي هي جهة نقصها و قوتها، و وجهها إلى جانب السفل، و إذ لا نسبة بين الموضوعين- في الشرف و الخسة، فلا نسبة بين الصورتين في قوة الوجود و ضعفه. فليدرك غور هذا و ليتفطن سره، فإن النشأة الأخرى خروج النفس عن غبار هذه الهيئات البدنية، كما يخرج الجنين من القرار المكين.
قال الله تعالى:" قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ و قوله:
" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ" دليل واضح لما ذكر و مثال بين للنشأة الثانية من هذه الدنيا، و قد مرت الإشارة، بأن فعل الحق بواسطة ملكة المقرب في حق عبده المخمر طينته بيدي قدرته أربعين صباحا، بعيد عند العقل المكحل بنور البصيرة أن يكون إماتة و إهلاكا و إعداما، بل موت البدن في الحقيقة إحياء للنفس بالذات، و نقل لها من حالة دنية إلى حالة شريفة، و تحويل إياها من دار فانية إلى دار باقية، كما أن الإنسان في انقلاباتها السابقة من طور إلى طور و من حقيقة إلى حقيقة، كان فعل الحق في حقه التكميل و التربية و الإحياء، و النقل من نشأة إلى نشأة ثانية يكون الثانية حياة بالنسبة إلى الأولى، و الأولى موت بالنسبة إلى الثانية، فإنه كان أولا أمرا معدوما، لم يكن شيئا مذكورا، و هذا أخس الأحوال و أنزل المراتب المعدومية، ثم صار قوة صرفة يتساوى طرفا الوجود و العدم إليه، ثم صار مستعدا لوجود الإنسانية بعد طي مراتب الجمادية و النباتية و الحيوانية، و هذا حتى بلغ أول مرتبة الإنسانية و أدنى منازلها و هو الجنين في الرحم، ثم إلى الطفولية و هكذا إلى أن يصير تام الخلقة كامل البنية، فإذا كمل ظاهره و بدنه بالجوارح و الأعضاء الظاهرة و الباطنة حتى في الزينة البدنية من شعر الأطراف و قوة الجسمية من المحركة و المدركة، أخذ في تكميل نفسه و تقوية باطنه الذي هو حقيقة ذاته و صورة وجوده، و كلما أخذت نفسه في القوة و الكمال، أخذ بدنه في الضعف و الانحلال و الوهن و الكلال، شيئا فشيئا، إلى أن بلغت النفس غايتها في القوة و الجوهرية و الاستقلال في الوجود من دون البدن، فحدث حينئذ الموت الطبيعي للبدن، فالموت الطبيعي للبدن بهذا المعنى، لا لما ذكره الأطباء و غيرهم، من أن عروض