المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٧٠
لهم ذلك فيما كثرت مشاهدتهم له، و إن كان حكمته أعجب من حكمة المغناطيس في جذب الحديد، و هو هذا الحيوان الحساس المتحرك بالإرادة الذي يغتذي و ينمو و يولد بل الإنسان، الذي هو عالم صغير و ما يخصه من الأحكام الإنسانية.
و أقول: إن عدم تعجبهم من هذا التركيب العجيب و النظم الغريب أعجب من كل عجيب، حيث إذا نظروا في كلمة مكتوبة مرقومة من قلم جمادي في قرطاس أو لوح قطعوا بأنها صنعة آدمي عالم قادر مريد متكلم. ثم أخذوا ينظرون إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات الوجود بالقلم الإلهي الذي لا يدرك الأبصار ذاته و لا حركته و لا اتصاله بمحل الخط، و لم يسافروا منها إلى مشاهدة آياته الكبرى، و لم يؤد تفكرهم إلى أن الذي صور و نقش و قدر لا نظير له و لا يساويه في ذاته نقاش و لا مصور، كما أن لا يساوي نقشه و صنعه نقش و صنع.
فبين الفاعلين من المباينة و التباعد ما بين الفعلين، فإن الذي أعمى بصيرة هؤلاء العميان مع هذا الوضوح، و منعهم اليقين بوجوده مع هذا البيان، جدير بأن يتعجب منه و من حكمته و عدله. فسبحان من هدى و أعمى و أرشد و أغوى و فتح بصائر أحبائه فشاهدوه في جميع ذرات العالم و أجزائه و أعمى قلوب أعدائه و احتجب عنهم بعزه و علائه.
فصل في سبب حدوث الحركة
لما أشرنا في الفصل السابق إلى: أن مبادىء الأمور الطبيعية لا سبب لها إلا إرادة الصانع الحكيم، و هو إله العالم بجميع أجزائه، كائنة، أو مبدعة بسيطة أو مركبة، أفلاكا أو عناصر، و إلهيته للعالم أمر ذاتي لا يسنح له فيها سانح، و لا يغيره منها مغير، و لا يعوقه منها عائق، و لا يتعلق فاعليته بداع خارج عن ذاته، سواء كان إرادة حادثة أو وقتا أو حالة عارضة، لأن ذلك كله يوجب الاستحالة و الحركة، و يؤدي إلى انفعاله عن قاهر يقهره، و سلطان يعجزه، تعالى الواجب القيوم مما يقوله الملحدون علوا كبيرا، فهو عالم بالأشياء بعلم أزلي، و قادر على ما يشاء بقدرة أزلية، و الحدوث و التجدد و التصرم و الهلاك و الفناء و غير ذلك من الآفات و العاهات إنما تنشأ من قصور الأشياء عن قبول فيضه و ضيقها عن