المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٦
و برهانه مسطور في كتابنا الكبير في الحكمة الخاصة.
فالناطق لها نحو من الاتحاد بقواها البدنية، لا ينافي تقدسها عنها باعتبار وجودها التجردي الذي هو غيب غيوبها.
فمن شبهها من غير تنزيه فعمى بصره اليمنى عن إدراكها، فما عرفها حق معرفتها.
و من جردها من غير تشبيه فنظر إليها بالعين العوراء، فما رعاها حق رعايتها.
و الكامل المحقق و البصير المدقق من لا يهمل أحد الجانبين و لا يتعطل عن إدراك مجموع النشأتين و يعرف سر العالمين و مجمع البحرين و مرآة الإقليمين.
و أما الثاني فالكلام الذي حملهم على إسناد ذلك الظن القبيح بمثله ما قاله في كتاب القانون بهذه العبارة:
" و هاهنا موضع نظر فلسفي في أنه هل القوى الحافظة و المتذكرة و المسترجعة لما غاب عن الحفظ من محزونات الوهم قوة واحدة، أم قوتان و لكن ليس ذلك مما يلزم الطبيب".
و لا يخفى على أحد أن ما ذكره لا يدل على أنه شاك في أمر الحافظة و الذاكرة، بل أحال بيانها إلى نظر الفلسفة الغير المناسب لكتاب الطب.
و في سائر كتبه الحكمية التي رأيناها حكم على أن الذاكرة هي الحافظة، و لكن باعتبار آخر.
و ذهب الحكيم الطوسي إلى أن الذكرة ليست من القوى البسيطة، بل قوة مركبة من قوتين، كما أن فعلها تركيب من فعلين، لأن الذكر عبارة عن ملاحظة المحفوظ، و ذلك لا يتم إلا بإدراك ثان مبدؤه الوهم و حفظ مبدؤه الحافظة.
و المسترجعة أيضا مبدأ فعل يتركب من ثلاثة أفعال: الحفظ و ملاحظة المحفوظ بالقوتين المذكورتين و طلب تلك الملاحظة بالقوة الفكرية.
فعلى أي تقدير لا يوجب ازدياد القوى الباطنة عما كانت كما توهمه الإمام الرازي، حيث قال:" حفظ المعاني مغاير لاسترجاعها بعد زوالها.
فإن وجب أن ينسب كل فعل إلى قوة وجب أن يكون القوى ستا".