المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٥
طلب المكان لهما صحيحا، أو كل منهما عالم بتمامها مباين الجوهر و الذات للأخرى، غير منسلك معها في سلك واحد، لا يجمعها دار واحدة، لاستقلال كل منهما و تمامه، فحينئذ طلب المكان له و النسبة إلى ما هو مباين الجوهر عنه، غير صحيح.
و أنت تعلم، أن الحق هو الثاني، أ و لا ترى أن أهل هذا العالم متفقون على قولهم، هذا العالم و ذلك العالم جسما ورثه الناس من رؤساء النوع، من أهل النبوة و الحكمة و العصمة، و لو كان المجموع عالما واحدا، كان هذا القول باطلا. و لا يصح أن يقال هذا الإطلاق من قبيل قولهم، عالم العناصر، و عالم الأفلاك، و عالم الحيوان، و عالم الإنسان. لأن هذه أقوال مجازية على سبيل التشبيه، و أما إطلاقه عليهما فليس من باب التشبيه بعالم آخر، فإن الدنيا و الآخرة لو لم يكونا عالمين تامين، فلا يكون في الوجود عالم تام، لأن المجموع ليس منتظما في سلك واحد، إلا بأن يكون أحدهما باطن للآخر، و الآخر ظاهره، و هذا كلام آخر فيه غموض، فإذا لم يكونا مع مباينة كل منهما الآخر في الوجود مما يشتملهما عالم آخر، فلا محالة كل منهما عالم تام كما أطلق القول عليه في ألسنة الشريعة، إن لله سبحانه عالمين، الدنيا و الآخرة.
و مما يوضح القول بأن الآخرة ليست من جنس هذا العالم، إن الآخرة نشأة باقية يتكلم فيه الإنسان مع الله، و ينظر إليه، و هذه نشأة داثرة ذاتها بائدة أهلها هالكة ذووها، لا يكلمهم الله، و لا ينظر إليهم، و اختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات.
و أما مكالمة الأنبياء مع الله مخاطبة سيد الرسل معه تعالى ليلة المعراج، فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم.
و مما يدل على ذلك قوله تعالى:" وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ" فإنه صريح في أن النشأة الآخرة غير نشأة الدنياوية، و لهذا ليست معلومة إلا للكمل من الأولياء الذين انقلبت نشأتهم إلى تلك النشأة.
و أما غيرهم، فليس عنده من الآخرة و صورها الموجودة فيها إلا الألفاظ الموضوعة شرعا لأجلها من غير دلالتها لهم على خصوص معانيها إلا على الأمثلة البعيدة، كما أخبر عنه سبحانه بقوله:" فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ" قال ابن عباس:" ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" هكذا في معالم التنزيل لمحيي السنة.
و بالجملة فنحو وجود الآخرة غير نحو وجود الدنيا، و الدنيا و الآخرة مختلفتان في
المبدأ و المعاد ؛ ص٤٤٦