المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٣
بعد رفع البدن كما في النوم الذي هو ضرب من الموت، لأنه عبارة عن ترك النفس استعمال بعض قواها المحركة و الحساسة، فيتخيل ما وصف في الجنة من المحسوسات، و هذه جنة المتوسطين الصالحين، و تلك هي جنة الكاملين المقربين.
و اعلم أن الوجود هو السعادة، و الشعور بالوجود سعادة أيضا، لكن الوجودات متفاضلة، و أشرف الوجودات هو الوجود الحق الأول، فأدونها هو الوجود الهيولى و الزمان و الحركات و ما يشبهها، و وجود كل شيء لذيذ عنده، و وجود علته ألذ لو أدركه على كنهه، فإن علة الشيء مقوم ذاته و كمال هويته.
و الوجودات لما كانت متفاوتة، فالسعادات التي هي الشعورات بها متفاوتة، و كما أن وجود القوى العقلية أشرف من القوى الحيوانية الشهوية و الغضبية و القوى التي هي نفوس البهائم و سائر الحيوانات فسعادتها أجل و لذاتها أتم، و أما عدم التذاذنا الآن بالسعادة العقلية مع أنها حاصلة، فهو إما لمرض نفساني، و إما لاشتغالنا بالبدن، و كما أن الآفة إذا زالت عن الحاسة السقيمة عادت إلى ما لها بالطبع، فكذلك مقارنة النفس للبدن إذا بطلت و رجعت إلى ذاتها و ذات علتها الفياضة و معاينة جمالها، يكون لها من اللذة و السعادة ما لا يمكن أن يوصف أو يقاس به اللذة الحسية، و ذلك لأن أسباب هذه اللذة أقوى و أكثر و ألزم للذات، أما قوتها فلأن الإدراك عقلي محصل لحقيقة الشيء الملائم، و المدرك هو البهاء المحض و الخير الصرف و الجود الذي يفيض عنه كل خيرية و كل نظام و كل لذة، و كذلك ما بعده من الجواهر العقلية و الملائكة الروحانية التي هي معشوقات بذواتها.
و أما الأمر الشهواني، فإدراكه يتعلق بالظواهر غير متوغل إلى حقيقة الشيء الملائم، بل إنما يصله إلى ظاهره و بسيطه و مدركه هو من المأكولات و الملموسات و الروائح و ما أشبهها، و أما أكثريتها، فلأن مدرك القوة العقلية هو الكل و يدرك الحس و المشاعر الحيوانية بعض من الكل و هي المحسوس منه، و القوة الحسية ليس بملائمها جميع محسوساتها بل بعض منها ينافيها و بعض يلائمها، بخلاف العقل فإن كل معقول يلائمه و يكمل ذاته، و ذلك لأن الحسيات يقع فيه التضاد و التضايف و المنافرة لقصور وجوداتها و آفتها، و العقليات لها الفسحة و السعة و الخيرية و التمام و الملائمة.
و أما أنها ألزم للذات، فإن الصور العقلية التي يعقلها العقل، يصير ذاته، بل كانت