المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠
انفعالي.
و أما الجسم و قواه كالحواس و غيرها، فلا يمكن عليه تزاحم صور مختلفة، و لا استحفاظها بوجه من الوجوه.
ألا ترى أن الحواس لا يمكن أن يستحفظ في ذاتها صورة و يقبل أخرى و لا معاودتها إلى الصور و قبولها لها بنوع فعلي، استكفاء بذاتها و ما يتقوم به ذاتها، بل بنوع انفعالي بمثل ما ينشأ منه ابتداء.
و مما يشهد بكون النفس غير ذات وضع بوجه، أنها يتصور المقدار اللاتناهي و العدد و الزمان و الهيولى المجردة عن الصورة و أمثالها من الأمور التي إذا وجدت في الجسم الواحد المتصل يجعله بحال ينافي جسميته أو وجوده أو وحدته أو حاله التي هو عليها في نفس الأمر.
و أما كونه مستغنيا عن البدن في الوجود، فإنما يثبت ذلك من استغنائه عن البدن في فعله، فإن المستغني عن الشيء في فعله مستغن عنه في ذاته، إذ الإيجاد متقوم بالوجود، فإذا احتاج شيء إلى شيء في وجوده فلا بد أن يحتاج إليه في فعله، إذ المحتاج إلى المحتاج إلى ذلك الشيء محتاج إلى ذلك الشيء، فإذا ثبت استغناء الجوهر الناطق عن البدن في فعله، ثبت استغناؤه عنه في الوجود.
و أما أنه غير مفتقر إلى البدن في فعله، فلأنه قد صح لنا أن المعقولات المفروضة التي من شأن القوة الناطقة أن يعقل بالفعل واحدا واحدا منها غير متناهية بالقوة.
و قد حقق أيضا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة، لا يجوز أن يكون جسما أو قوة في جسم، فثبت أن الذات المتصورة للمعقولات ليس بجسم و بقوة فيه.
و من ظن، فعل أن المتخيلة أيضا كذلك، لإمكان التخيل الغير المتناهية، فقد أخطأ، فإنه ليس لمتخيلة الحيوان أن يتخيل أي شيء اتفق مما لا نهاية له في أي وقت كان ما لم يقترن معها تصرف الناطقة، و كذا من توهم، أن النفس قابلة للصور العقلية فقط، و المبرهن على امتناعه هو الفعل الغير المتناهي في الجسمانيات لا الانفعال، فإن الهيولى