المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٨٣
قوة شوقية، و اهتزار علوي للنفس، و محبة إلهية لها، و شفقة على خلق الله- شفقة الوالد لولده، و الأم لولدها- فيؤثر نفسه في إصلاحها و إهلاك ما يضرها و يفسدها.
فكما أن الخاصية الثانية يوجد بوجه غير مرضي في نفوس الأشرار و الناقصين، فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية، فيتعدى أثرها في بدن آخر حتى يفسد الروح بالتوهم، و يقتل الإنسان أو غيره من الحيوانات و يعبر عن ذلك بإصابة العين، و لذلك قال النبي ص" العين يدخل الرجل في القبر، و الجمل في القدر".
و قال ص أيضا:" العين حق ..." و معناه أنه يستحسن الجمل، مثلا، و يتعجب منه و تكون النفس خبيثة حسودة، فيتوهم سقوط الجمل، و ينفعل جسم الجمل عن توهمه و تسقط في الحال. و إذا كان هذا ممكنا فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوى كيف لا يتعدى تأثيرها عن بدنها و عالمها الصغير، و هي يصلح لأن تكون نفس العالم و رئيس القوى الطبيعية و مستخدمها، فيؤثر في هيولى العالم بإحداث حرارة و برودة و حركة و جمع و تفريق، و أصول الاستحالات و الانقلابات في عالمنا السفلي إنما ينبعث من الحرارة و الحركة كما سبق في حوادث الجو، و مثل هذا يعبر بالكرامة و المعجزة عند الناس. و الخاصية الأولى أفضل أجزاء النبوة عند الخواص، و لهذا كان أعظم معجزات نبينا ص، القرآن، و هو مشتمل على المعارف الإلهية و حقائق المبدإ و المعاد، على وجه عجز عن دركها إلا الأقلين من العلماء الراسخين من أمته، و فيه الإخبار عن المغيبات و الأفعال الخارقة للعادات، إلا أن نفسه من المعجزات العقلية التي كلت أذهان العقلاء عن دركها و خرست ألسن الفصحاء عن وصفها.
فصل في بيان الفرق بين الإلهام و التعلم في استكشاف الحقائق
اعلم أن العلوم ليست لازمة ضرورية، و إنما يحصل في باطن الإنسان في بعض الأوقات بوجوه مختلفة، فتارة يهجم عليه، كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري، سواء كان