المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٧
فصل في تكون الإنسان و قوى نفسه
قد علمت علما برهانيا أن الواجب تعالى وجود مقدس و خير محض بريء عن أنحاء النقص و الأعدام و الملكات.
و علمت أن فيضه الأولى و فعله الإبداعي يجب أن يكون جوهرا روحانيا مدركا للأشياء، بل الوجود مطلقا فيضه و فعله و العلم و القدرة و سائر الصفات الكمالية من خواص الوجود بما هو وجود، ما لم يلحقه ضد و يصادفه مفسد مناف له.
فكل وجود متبرىء عن التضاد و التزاحم فهو عالم بذاته و بما يقارن ذاته، كالعقول و النفوس الفلكية العالمة بذاتها و بلوازمها و آثارها و أجرامها التي هي مواضع الشعورات و مظاهر الأمثال و الأشباح الخيالية.
و أما الأجسام العنصرية- فلاشتمالها على التضاد و التفاسد و استحالة ذاتها و تجدد وجوداتها يوما فيوما- لم يكن لها وجود إلا وجودا مستحيلا داثرا عادما للعلم و الإدراك آئسا عن رحمة الله تعالى و قبول الفيض الإلهي الذي ذكرناه، لتفاسدها و بعدها عن التوافق و الاعتدال، لضيق وعائها الوجودي و خسة نشأتها المخصوصة.
ألا ترى الأجسام أول ما تمازجت و تصالحت قواها المتضادة بسبب الكسر و الانكسار و الفعل و الانفعال استعدت لقبول أثر من الفيض الإلهي و لمعة من النور الوجودي و هو الصور المعدنية الحافظة للعناصر من التضاد و التفارق و التهارب و سائر ما يظهر منها من بعض اللمعان و الصفا و التلألؤ، كما في الدرر و اليواقيت و ما فيه زبرج نوري.
ثم إذا تركبت تركيبا أقوى في التوسط و أوغل في الاعتدال فاض عليها ما يظهر به منها بعض آثار الحياة من التغذية و التنمية و التوليد، و هكذا تراها متوغلة في نقض التضاد و هدم الخلاف إلى أن يصل إلى درجة الحيوان فيصدر منها كثير من آثار الروح و العقل، إما بأن يكون صورها الحيوانية و نفوسها الحاسة بمنزلة الآلات لأفاعيل النطقية صادرة عنها بإلهام بعض الملائكة الروحانيين، أو يكون نفوسها بأعيانها جواهر روحانية بالذات كما ذهب