المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٥٢
و اعلم أن العشق أيضا معناه الابتهاج بتصور حضرة ذات ما.
و أما الشوق فهو استدعاء إكمال هذا التصور و الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج فإن مراتب حضور الصورة متفاوتة، إذ التمثل الخيالي مرتبة ضعيفة من الحضور، و التمثل الحسي أقوى منه، و الشهود الإشراقي أتم الإدراكات. و كل مشتاق إلى مرغوب فإنه قد نال شيئا و فاته شيء، و في هذا سر عظيم لأرباب الذوق و العرفان.
و الإشارة إلى لمعة منه أن كل مشتاق، من حيث كونه مشتاقا، فهو من جملة المشتاق إليه.
فإن الظمئان يتصور أولا الري فيحصل له ذلك حصولا ضعيفا هو يوجب طلبه على أتم وجه. فالريان يشتاق الريان و يطلبه فكل ذي طلب لا يطلب إلا ما هو تمام حقيقته و كمال ذاته. فافهم ذلك إن كنت من أهله.
و بالجملة، الشوق يصحبه قصور، و أما العشق فقد يتقدس و يتعالى عن الشوائب.
فالأول عاشق لذاته معشوق لذاته، عشق أو لم يعشق. لكنه معشوق لذاته من ذاته، و من غيره و هو جميع الموجودات المفتقرة إليه. إذ ما من موجود إلا و له عشق غريزي و شوق طبيعي إلى الخير المطلق و النور المحض، بلا شوب شرية و ظلمة و نقص و آفة.
و يتلوه عشق المبتهجين به و بذواتهم لا من حيث هم هم، بل من حيث كونهم مبتهجين به، و هم الملائكة العقلية، فإنهم يعرفون أنفسهم بالأول و هم على الدوام في مطالعة ذلك الجمال، على ما سيأتي بيانه. فلذتهم أيضا بذاته و لكنها دون اللذة الأول.
و أما لذتهم بأنفسهم فهي من حيث رأوا أنفسهم عبيدا و خدما له مسخرين.
فإن من عشق ملكا من الملوك فأقبل عليه بخدمته كان مبتهجا بحشمه و قومه و أبيه و نسبه راجعا إلى التبهج بذلك الملك.
و بعد المرتبتين الأوليين في الابتهاج مرتبة العشاق المشتاقين المتحركين إلى طلب رب العالمين المواجدين في عظمة أول الأولين، و هو الذي إذا أدار رحاها" بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها