المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٩
حضوري، و كذا يدرك وهمه و خياله الشخصيين لا بوهم آخر و خيال آخر.
و إذا كان الأمر على ما ذكرنا فلا ضير أن يدرك النفس بذاتها أو بقوتها الخيالية الذاتية أمورا جسمانية يكون صورها العلمي الخيالي عين وجودها الخارجي، فإن للنفس في ذاتها حواس تدرك بها أشخاصا أخروية غير أشخاص هذا العالم هي الأشخاص العينية الغائبة عن حواس هذا العالم كما يدرك بهذه الحواس محسوسات هذا العالم.
و هذه الحواس البدنية القائمة بهذا البدن الدنياوي ظلال للحواس التي هي لها في ذاتها سمعا و بصرا و ذوقا و لسانا و وهما و خيالا.
أ لا ترى أنها في النوم تدرك بجميع الإدراكات التي ذكرناها مع تعطل هذه الحواس و ركودها.
فإذا تمهد هذا فنقول: إذا مات الإنسان و فارقت نفسه و هي عالمة بذاتها و معها القوى المدركة للجزئيات، فتخيل ذاتها مفارقة عن دار الدنيا، و يتوهم نفسها عين الإنسان المقبور الذي مات صورته، و يجد بدنها مقبورا و يدرك الألم الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحسية على ما وردت به الشرائع الصادقة، هذا عذاب القبر.
و إن كانت سعيدة يتصور ذاتها على صورة ملائمة و يصادف الأمور الموعودة من الجنات و الأنهار و الحدائق و الغلمان و الحور العين و الكأس من المعين، فهذا ثواب القبر كما قال النبي" ص": القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
و إياك أن تعتقد أن هذه الأمور التي يراها الإنسان ما بعد موته من أحوال القبر و أهوال القيامة، أمور موهومة محضة متخيلة صرفة لا وجود لها في الأعيان كما زعمه كثير من المنتسبين إلى الحكمة و المتشبهين بالحكماء هيهات هيهات، هذا عندنا كفر بحسب الشريعة، و ضلال بحسب الحكمة" بل الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".
و أمور الآخرة أقوى وجودا و أشد تحصلا و أقوى تأثيرا من موجودات هذا العالم.
نعم موجودات هذا العالم غير تصوراتها و تخيلاتها، و لهذا لا يترتب على تصورها و تخيلها ما يترتب على وجودها العيني، بخلاف موجودات الآخرة، فإن وجودها العيني هو تخيلها و وجودها الخيالي، فالتخيل هناك نفس الوجود العيني و عين التحصل الخارجي، فلهذا يترتب على التخيل ما يترتب على الوجود العيني بوجه أقوى و أشد لصفاء الموضوع