المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٩
الصور القائمة بها، و أما وجه المفارقة فلأجل أمرين:
أحدهما، أن المادة الدنياوية إنما يحلها الصور الفائضة عليها لأجل سبق قوة استعدادية انفعالية و سبق حركة متوجهة إلى الكمال الصوري بخلاف الصور الأخروية فإن حصولها لما يقوم بها إنما هو من جهة الفعلية و اللزوم لا من جهة القوة و الإمكان، و من الجهات الفاعلية لا من الجهات القابلية. أ و لا ترى أن محل السواد مثلا إذا زال عنه السواد يحتاج في استرجاعه إلى فاعل مباين يفيد السواد لذلك المحل من دون أن يكتفي المحل بنفسه في استرجاع السواد، و هذا بخلاف القوة النفسانية، فإنها إذا زالت عنها الصور الباطنية ففي استرجاعها إياها و تذكرها لا يحتاج إلى تجشم كسب جديد و إلى مبدإ يحصل منه كما يحصل أولا، بل يستكفي في ذلك بذاتها و بما يقوم به ذاتها من الأمور الداخلية، و ذلك لأن القوة الروحانية من المواد الأخروية التي ينشأ منها الصور من غير كسب جديد و مبدإ منفصل و أسباب اتفاقية خارجية، بل الأمر كله هناك لله العلي الكبير.
و ثانيهما، أن من الأشياء الواضحة بحسب الذوق و التجربة، أن كل هيولى يكون ألطف جوهرا و أشد روحانية، فإنها تكون أشرف صورة و أجل كمالا و لقبول الصور أسرع انفعالا و أسهل قبولا.
مثال ذلك، الماء العذب فإنه لما كان جوهره ألطف من جوهر التراب، صار لقبول الطعوم و الأصباغ أسرع انفعالا، و ذلك للطافته و عذوبته و سيلانه، و هكذا لما كان الهواء ألطف من الماء و أشد سيلانا، صار قبوله للأصوات و الروائح أسرع انفعالا و أسهل قبولا، و هكذا لما كان الضياء و النور ألطف من الهواء، صار قبولهما للألوان و الأشكال أسرع و أشد روحانية و قربا من عالم الروحانيات.
و هذا أيضا باب يخفى على كثير ممن ينظر في دقائق العلوم إعماله، و ذلك لأن جوهر النفس له مراتب متفاوتة في اللطافة و الكثافة.
و أدنى مراتب النفس في اللطافة، هو أشد بكثير من لطافة جوهر النور المحسوس.
و أيضا و الدليل على ذلك قبولها رسوم سائر المحسوسات و المتخيلات و المعقولات عند كونها في مراتب أنوار الحس و الخيال و العقل على تفاوتها.
فلهذا صار الإنسان بالقوة المتخيلة يقدر أن يتخيل من الموجودات الخارجية ما لا