المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٧
واحدة شرقية، يتحرك بها جميع أجرام الفلكية و الكوكبية، ليس أنه يريد بذلك إبطال علم الهيئة و نفي تعدد الأفلاك و تخالف حركاتها سرعة و بطأ، و تباين جهاتها و أوضاعها و تفاوت مقاديرها و كيفياتها و آثارها المتعينة و ما يترتب عليها من اختلاف حال عنصريات و تكون المركبات من الجماد و النبات و الحيوانات، فحقيقة النفس الإنسانية ليست إلا كمال النوع الإنساني الذي تدرك الكليات بذاته و الجزئيات بالآلات، و لها الفكر و الروية و استنباط العلوم و الصنائع، و التأثير عن الهيئة البدنية و التألم عما يتغير به مزاج البدن، كما أن النفس الحيوانية حقيقتها ليست إلا مبدأ الإحساس و التحريك و كذا النفس النباتية حقيقتها ليست إلا ما يكون مبدأ الأفاعيل النباتية من التغذية و الإنماء و التوحيد.
و لا شبهة في أن شيئا من هذه الحقائق ليست هي عين مبدإ العالم و واجب الوجود، لكونها معرضة للحدوث و التغير و التعدد و النقص و الانفعال و القصور و الزوال، و الله تعالى منزه عن نقائص الإمكان و مثالب الحدثان.
و منها، أن النفوس متصفة بصفات الأجساد، كقول القائل مشيرا إلى نفسه، جلست و خرجت و قمت و مشيت، و هذه من خواص الأجسام.
و أجيب عن ذلك بأن هذه الأقوال و نظائرها كلها مجازات عرفية إذا حققت الحقائق و قام البرهان على تجرد النفس، فليس لأحد أن يتمسك في اقتناص الحقائق بالألفاظ و التحاورات اللغوية، مع أن الإشارات اللغوية و العبارات القولية لا يمكن أن يقع على الأمور العقلية الصرفة من غير محاكاة خيالية و ممازجة تصويرات مثالية لا ينفك عن الوقوع على أوضاع الأجرام و حركات الأبدان.
و كما أن النفس يحتاج في وجودها إلى البدن للعلاقة المتأكدة، فكذلك التعبير عن أحوال المعاني النفسية، إنما يتأتى بألفاظ موضوعة لأحوال الجسم هذا.
و اعلم أن حقيقة النفس و نحو وحدتها شيء غامض غفل عنها الأكثرون، و لم يصل و لا يصل إلى غورها إلا الأقلون من أصحاب السلوك و الرياضات.
و ما أدركته الحكماء المشاءون و الفلاسفة الرواقيون في النفس من التجرد الصرف و الطهارة عن البدن و أوصافه فهو صدق و صواب لكنه يرجع إلى تنزيه قوة من قواها