المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٧
طريقة الراسخين في العلم و العرفان و مسلك المتألهين من أهل الكشف و الإيقان، و هو، أن هذه الأمور موجودات خارجية و ثابتات عينية، و هي في الموجودية و الثبوت أقوى و أشد و أدوم من موجودات هذا العالم، بل لا نسبة بينها و بين هذه في باب قوة الوجود و ترتب الآثار، و ليست أنها بحيث يمكن أن يرى بهذه الأبصار الفانية البالية كما ذهب إليه الظاهريون. و لا أنها أمور خيالية و موجودات مثالية لا وجود لها في العين، كما يراه الإشراقيون و تبعهم آخرون ..
و لا أنها مجرد أمور عقلية أو مفهومات ذهنية و ليس بأشكال و هيئات مقدارية و صور جسمانية كما يراه جمهور المتفلسفين من أتباع المشائين. بل إنها صور عينية جوهرية موجودة في الخارج لا في هذا العالم الهيولانية، بل في عالم الآخرة، و عالم الآخرة جنس لعوالم كثيرة كل منها أعظم من مجموع هذا العالم بما لا نسبة بينهما، و لكل نفس من الأخيار عالم عظيم الفسحة و مملكة أعظم مما في السماوات و الأرض، بعدة أضعاف.
و وجود أمور الآخرة و إن كان يشبه بوجود الصور التي يراها الإنسان في المنام أو في المرآة من وجه لكن يفارقها بالذات.
أما وجه المشابهة فهو، أن وجودها لا يزاحم وجود شيء من هذا العالم، فإن النائم ربما يرى أفلاكا عظيمة و جبالا شاهقة و صحاري واسعة مثل ما يراها في هذا العالم.
ثم ما يراها في النوم، غير ما يراها في اليقظة من الأمور الخارجة بالعدد، إلا أن شيئا منها لا يزاحم شيئا من هذه و لا يضايقه، فكذلك ما يراه الإنسان بعد الموت لا يزاحم و لا تضايق بينه و بين أجسام هذا العالم.
و أما وجه المفارقة بينهما بالذات فهو، أن تلك الدار الآخرة و صورتها الواقعة فيها هي موجودات عينية أقوى في قوة الوجود و شدة التأثير من موجودات هذا العالم، فكيف من الصور المنامية المحلومة.
و نسبة النشأة الثانية إلى هذه النشأة، كنسبة الانتباه إلى النوم كما في قوله، ص:
" الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا".
و أما الإشارة إلى كيفية وجود الصور الأخروية، فقد مرت في عدة مواضع من هذا الكتاب متفرقة.
و أما بيانه التفصيلي بالنظم الطبيعي على نهج البرهان اللمي التام المقدمات بحيث لم يبق فيه مجال للبحث و الإنكار و المنع و الاستنكار و المجادلة و الاستكبار فليطلب كشفه و توضيحه و تفصيله من بعض الأسفار الإلهية الموسومة بالحكمة المتعالية.