المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٨
و يجوز خلو الذهن عنها، فمحلها أولى بالجوهرية، فالنفس إذن جوهر.
و أما كونه روحانيا غير جسمانية، فيدل عليه أشياء سوى ما ذكرنا، منها: أنها محل المتقابلات، و لو كانت جسمية لامتنع إدراكها للمتضادين و غيرهما مثل السواد و البياض و العلم و الجهل، بإدراك واحد معا، لأن صورتي الضدين و بالجملة المتقابلين، لا يحلان في جسم واحد معا، و الحال في النفس بخلاف الجسم، فإنها مهما حلت فيها صورة أحد المتقابلين وجب ضرورة أن يحل معه فيها صورة المقابل الآخر، لأن تعقل المتقابلين يكون معا، لاشتمال التقابل على التضايف، و المتضايفان يكونان معا في المعقولية.
فثبت أن قابل المعقولات و العلوم من الإنسان جوهر مجرد، و هو المطلوب.
و من شواهد العقلية في مباينة القوة العاقلة للجسم أنه، لو كانت جسما لكانت الصورة العلمية إما مفقودة عنها، أو تكون لها انفعالات محضة من غير فعل و تصرف، إذ ليس للجسم أن يتصرف في الصورة الحالة فيها بالتقديم و التأخير و التركيب و التحليل.
و من اللطائف التي يوقع طمأنينة في تجرد النفس، أن القوة البدنية يتعاون بعضها من بعض، و يتقوى بعضها ببعض، و لا يكون بينها ممانعة كما بين في الآراء الطبيعية، من أن تأليف البدن الحيواني و الإنساني حسب تأليف قواه من غير ممانعة و مخالفة فيها، بل كل واحدة من الأعضاء و قواها الطبيعية و النباتية و الحيوانية في حال الصحة و السلامة، إما أن يقوي الأخرى و يعينها على ما ينحو نحوه من خاص كماله، أو يمسك عنه رأسا برأس ليحصل لها النظام في أمر حياته. و القوة الناطقة منها في واد، و هي في واد أخرى، لأنها مهما أرادت إلى تكميل جوهرها و تفعل فعلها الخاص من تعقل النظريات و إخلاص نية في التقرب إلى الإلهيات، و امتناع عن مخالطة الشهوات و وساوس المفسدات من القوى المسخرة إياها في متابعتها و مشايعتها، لم يتيسر لها ذلك إلا بمجاهدة تامة مغالبة عظيمة ليتمكن من ذلك.
فثبت أن هذا الجوهر النطقي من الإنسان من عالم آخر وقع غريبا في دار الجسد بيد