المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٦
الرابعة فناء النفس عن ذاتها و قصر النظر على ملاحظة الرب الأول و كبريائه و ملكوته، و هو نهاية سفره إلى الله تعالى.
و بعد هذه المراتب لها مراتب و منازل كثيرة ليست أقل مما سلكها من قبل، و لكن يجب إيثار الاختصار فيما لا يدرك إلا بالمشاهدة. و الاختصار لقصور التعبير عن بيان ما لا يفهم إلا بالشهود و الحضور، فإن للنفس بعد السفر إلى الله تعالى و وصوله إلى منتهى هذا السفر أسفارا أخرى بعضها في الحق و بعضها في الخلق، لكن بقوة الحق و نوره، كما كان سلوكه قبل ذلك بقوة القوى و نور المشاعر و المدارك، و إن كان هو أيضا بهداية الحق و تأييده و تسديده، و لكن الفرق بين القبيلتين مما لا يحصى.
و كيفية سفره الأول و ترقيها من مرتبة النقص إلى ذروة الكمال هو أن الإنسان أول أول ما يلد من امتزاج المواد و حصول التعديل المزاجي و حدوث البدن المخلوق من النطفة الكائنة من الطين المخمر بيد القدرة في أربعين صباحا و العجين الصلصال و المسنون الذي قد مرت على طينته دهور و سنون بعد ما لم يكن شيئا مذكورا، فهو كباقي الحيوانات و الديدان لا يعرف إلا الأكل و الشرب، ثم بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من الشهوة و الغضب و الحرص و الحسد و البخل و غير ذلك من الهيئات و الصفات التي هي نتائج الاحتجاب و البعد من معدن الوجود و الصفات الكمالية، فهو بالحقيقة في هذه الحالة حيوان منتصب القامة لا غير يصدر منه الأفاعيل المختلفة و الحركات المنوعة إلى غير جهة الحق و الصعود إلى عالم الملكوت. كل ذلك بحسب الأغراض النفسانية و الدواعي الحيوانية من الشهوية و الغضبية، فهو في الحجب الظلمانية الساترة للحق سبحانه.
ثم إذا تيقظ من سنة الغفلة و تنبه عن نوم الجهل و عرف أنه في الحقيقة شغله خدمة كلب الغضب و طاعة خنزير الشهوة، و علم أن ما وراء هذه اللذة البهيمية لذات أخر كمالية، و فوق هذه المرتبة مراتب أخرى كمالية، يتوب عن اشتغاله بهذه الأفاعيل الخسيسة و اقترافه السيئات الشرعية و العقلية من الجهل و طاعة النفس و افتراقه عن الحسنات الدينية و الحكمية من المعرفة و الزهد، و ينيب إلى الله تعالى بالتوجه إليه و السلوك نحوه، فيشرع ترك الفضول الدنياوية طلبا للكمالات الأخروية و يعزم عزما تاما و يتوجه إلى السلوك إلى الله تعالى من مقام نفسه، فيهاجر مقامها و يقع في الغربة.
ثم إذا دخل في الطريق يزهد عن كل ما يعوقه، و يتقي عن كل خاطر يرد في قلبه