المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٢
الفطرة، و لا شك أن العصاة من الأمم الشقية الجاهلية التي كفرت بأنعم الله صارت أنقص و الحس مما كانت في أوائل فطرتها، فهي أشد احتياجا و أقوى انجذابا إلى المواد البدنية مما كانت.
و هذه الشبهة مما ذكرها بعض أهل الحق و لم يقدر على حلها.
و مما ألقي في روعي هو، أن كل نفس و إن كانت في أول كونها بالقوة في جميع الأشياء من الكمالات الحسية و الخيالية و العقلية، و لذلك لم يقم بلا مادة بدنية، كما قالوا، إلا أنها في مدة كونها في البدن، اكتسبت أخلاقا و عادات و آراء و ملكات شريفة أو خسيسة، فصارت بالفعل بعد كونها بالقوة، إما في سعادة أخروية، ذلك إذا اقتنت ملكات فاضلة و عادات حسنة، فصارت بالحقيقة من جنس الملائكة، لأنها من أهل الخير و انخرطت في سلكهم.
و إما في شقاوة أخروية، و ذلك إذا اقتنت ملكات رذيلة و عادات قبيحة، فتشبهت بالشياطين، لأنها من أهل الشر و الفساد. و بالجملة، فالنفوس التي كانت في أول تكونها قابلة محضة متعلقة بالهيولى، صارت بحسب اكتساب الصفات المستقرة التي هي الملكات النفسانية مخرجة من القوة إلى الفعل، فغلبت عليها أما النورية و الملكية، فتلتذ بمجاورة الملائكة و منادمتهم و هي من السعداء و أما النارية و الشيطانية، فيتأذى بمجاورة الشيطان و أهل النار، و ذلك بما كسبت قلوبهم.
و سبب التأذي أن هذه الأخلاق الردية و العادات البدنية كلها موذية مولمة بحسب الحقيقة، و إنما لم يقع الإحساس بأذيتها لأجل سكر الطبيعة و غمور النفس في اشتغال البدن، فإن العداوة و البغضاء و الحسد و النفاق و العجب و نظائرها من الملكات الشرية، كلها نيرانات محرقة للقلوب، و شعلات مولمة للنفوس، و هذه النيرانات التي ظهرت في النشأة الآخرة هي بعينها موجودة في نفوس الأشرار، و إنما لم يحسوا بها، لأنها لا تدرك نحو وجودها و ظهورها بهذه الحواس و المشاعر الدنياوية، فإن لكل حقيقة في كل نشأة ظهورا خاصا، و مشعرا مخصوصا لإدراكه، فكما أن الأمور العقلية و الخيالية و الوهمية لا يدرك بعينها بالحواس الظاهرة، فكذلك الأمور الأخروية لا يدرك بهذه الآلات، فإن نار النشأة الآخرة و إن كانت موجودة بالفعل، لا يمكن مشاهدتها بهذه الباصرة