المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٥
المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ، ليكون قريبا من الحواس الظاهرة، فيكون التأدي إليها سهلا، و الخيال خلفه، لكونه خزانته، و خزانة الشيء ينبغي أن تكون كذلك. ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال، ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها، و الحافظة بعده، لأنها خزانته، و المتخيلة قريبة من الصور و المعاني، فيمكنها الأخذ منهما بسهولة.
لكن الأطباء لما كان نظرهم مقصورا على حفظ صحة القوى و إصلاح اختلالها و لم يحتاجوا إلى الفرق بين القوى و تبين أنواعها، بل إلى معرفة أفعالها و مواضعها، و كانت الآفات العارضة قد تتجانس، اقتصروا على قوة في البطن المقدم من الدماغ، سموها" الحس المشترك و الخيال" و أخرى في البطن الأوسط سموها" المتفكرة و الوهم".
و أخرى في البطن المؤخر سموها" الحافظة و المتذكرة".
وهم و إزاحة
قد ظن بعض الناظرين في كتب الشيخ الرئيس أنه تردد و اضطرب في أمر القوى حيث قال في الشفاء: يشبه أن يكون القوة الوهمية هي بعينها المفكرة و المتخيلة و المتذكرة، و هي بعينها الحاكمة فتكون بذاتها حاكمة، و بحركتها و أفعالها متخيلة و متذكرة.
فتكون مفكرة بما يعمل في الصور و المعاني. و متذكرة بما ينتهي إليه فعلها.
و إن له ترددا أيضا في أن الحافظة مع المتذكرة- أعني المسترجعة لما غاب عن الحفظ من محزونات الوهم قوتان أو قوة واحدة و ذلك من بعض الظن.
أما الأول فلأن مراده من تلك العبارة المنقولة أن المبدأ الذي ينسب إليه التخيل و التفكر و الحفظ و التذكر هو الوهم، و لذلك جعله رئيسا حاكما في الحيوان. و القوى الحيوانية خدامه و أعوانه، كما أن مبدأ الجميع في الإنسان شيء واحد، و هو الناطقة، و القوى جنوده و رعاياه.
و في هذا سر آخر لوحنا إليه فيما مر. و هو أن كل عال من القوى المرتبة يحمل على سافلها و السافل مما يتقوم بالعالي.