المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠
و كلما يحصل من الجهة الفاعلية الصرفة و الهيئات الصورية المختصة بلا مدخلية القوى المنفعلة و الهيئات الاستعدادية، فهو لا يكون مادة و لا بدنا بما هو بدن، بل وجوده كوجود الظل، فإن ذي الظل لا يستكمل بظله و لا ينفعل منه و لا يتغير عن حاله بسببه و لا يلتفت إليه.
فهذه الأحكام التي زعمتها أصحاب التناسخ ثابتة للنفس موجبة لانتقالها إلى بدن آخر عنصري حاصلة لها بعد انتقالها إليه منفسخة بما حققناه من صيرورة نفس في مدة حياتها الطبيعية نوعا متحصلا بالفعل بحسب الحقيقة الباطنية.
فإن قلت: أ ليس الإنسان نوعا واحدا، و النفوس الإنسانية كلها أشخاص نوع واحد.
قلنا: نعم، من حيثية، و لا، من حيثية، إذ الإنسان بما هو مركب من مادة عنصرية ذي مزاج معتدل بشري و نفس حافظة لذلك المزاج و مبدإ الفصل، و هيئة و صورة لمادته و مدبرة لتدابير الإنسانية و فاعلة لأفعال و أعمال يخصه، نوع واحد، و النفوس الإنسانية من حيث كونها نفوسا مندرجة تحت نوع واحد من الجهة التي ذكرناها مع قطع النظر عن صيرورة كل منها في منتهى الأمر لأجل الهيئات و الملكات التي تصير النفس مصورا بصورة خاصة مباينا للأخرى.
و أما من جهة صيرورة النفس مصورا بصورة عقلية، أو آراء جهلية، أو هيئات صناعية، أو أخلاق سبعية، أو ملكات بهيمية، فهي لا محالة يصير أنواعا متنوعة و حقائق متخالفة و يتصور بصور متخالفة الهيئات و الأشكال في النشأة الثانية لا في هذه النشأة الدنياوية لاستحالته كما قررنا، فالنفس ما دامت يكون بالقوة يمكن لها اكتساب أي مرتبة شاءت لمكان استعدادها قبل صيرورتها بالفعل شيئا من الأشياء المتحصلة.
و أما إذا صارت مصورة بصورة فعلية، و استحكمت فعليتها و رسوخها، و قوى تعلقها و لصوقها بالنفس، فاستقرت على تلك المرتبة و بطل عنها استعداد الانتقال من النقص إلى الكمال و التطور من حال إلى حال، فإن الرجوع إلى الفطرة الأولى و العود إلى مرتبة التراب و الهيولاني كما في قوله تعالى:" يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً" مجرد تمني أمر مستحيل كما مر، و المحال غير مقدور عليه. و بالجملة للنفس الإنسانية نشأت ثلاث