المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠
الإدراكات و العلوم، إما على سبيل الورود التجددي، و إما على سبيل التذكر من المحفوظات في الحافظة.
و هذه الخواطر هي المحركات للإرادات، فإن النية و العزم و الإرادة بعد حضور المنوي بالبال.
فمبدأ الأفعال الخواطر، ثم الخاطر يحرك الرغبة و الرغبة تحرك العزم، و العزم يحرك النية و النية تحرك الأعضاء.
فإذا تمهدت هذه المقدمة نقول: إن الخواطر المحركة للرغبة في قلب الإنسان ينقسم إلى ما يدعو إلى الخير، أعني ما ينتفع في الدار الآخرة، و إلى ما يدعو إلى الشر و هو ما يضر في العاقبة. فهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى اسمين مختلفين.
فالخاطر المحمود يسمى إلهاما. و الخاطر المذموم وسواسا.
ثم إنك تعلم أن هذا الخاطر حادث، و كل حادث لا بد لإمكانه من سبب.
و مهما اختلفت المعلومات دل على اختلاف العلل.
و هذا مع قطع النظر عن الأبحاث البرهانية معروف في سنة الله تعالى و عادته في ترتب المسببات على الأسباب.
فمهما استنار مثلا حيطان البيت و أظلم سقفه و اسود بالدخان علمت أن سبب الاسوداد غير سبب الاستنارة، فحكمت بأن سبب الاستنارة نور النار و سبب الاستظلام ظلمة الدخان.
كذلك لأنوار القلب و ظلماته سببان مختلفان، فسبب الخواطر الداعية إلى الخير يسمى في عرف الشريعة" ملكا" و سبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى" شيطانا"، و اللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى" توفيقا" و الذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء و خذلانا.
فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة.
و الملك في الشريعة عبارة عن خلق خلقه الله تعالى، شأنه إفاضة الخير و إفاضة العلم و كشف الحق و الوعد بالمعروف، و قد خلقه و سخره لذلك.