المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٢
له و استعلاؤها عن انقياده، حدثت فيها هيئة عقلية استعلائية يسهل عليها ما لم يكن يسهل من قبل، و هذا الاستعلاء على البدن و عدم الانفعال عن دواعيه إنما يحصل للنفس بأن يفعل الأفعال البدنية التي لا بد لها من فعلها ما دامت في البدن على التوسط، كما أن الهيئة الإذعان يحصل لها بوقوع الأفعال منها في طرف واحد من الإفراط و التفريط، فكان أفعال التوسط بمنزلة ترك الأفعال البدنية و عدم الالتفات إليها، كما أن الفاتر من الماء لا حار و لا بارد، و هيئة الاستعلاء و التنزه ليست غريبة عن طبع النفس بل من طبع التجرد و التوحد من المادة، و الهيئة الإذعانية هي الغريبة في المجرد من حيث هو مجرد المستفادة من المادة التي تعلق بها، فسعادة طبع النفس و خاصيتها الوجود الاستقلالي و التنزه عن المواد و الأجرام و إدراك المعارف و العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه و مشاهدة الأشباح العقلية و الذوات الروحانية، و ليس للحس هذه العقليات أصلا، فظهر أنه لا يقاس هذه اللذات إلى ما يناله الحس من اللذات المكدرة الجرمية الداثرة و المرغوبات الترابية الكثيفة الزائلة، و سبب خلونا عن إدراك لذة العلوم و المعارف و نحن في شغل البدن هو مثل التخدير الحاصل لقوة الذوق حين عدم نيل لذة الطعوم و الحلاوات بواسطة مرض بوليموس، فلو فرض كون المعارف التي هي مقتضى طباع القوة العقلية و خاصيتها من معرفة الله و ملائكته و رسله و كيفية صدور الوجود منه على أحسن نظم و أليق ترتيب حاضرة حين اشتغلت بها في البدن عن أن يصير مستغرقة بالبدن و عوارضه، فيستوعب الهم به، لكانت لذة النفس بها لذة لا يدرك الوصف كنهها، و إنما لا يشتد الرغبة و الشوق من العرفاء بمعارفهم في هذا الآن، لعدم الذوق التام، فإن اللذيذ هو نحو وجود هذه المعلومات الخارجي، و إنما الحاصل عند النفس نحو وجودها الضعيف الذهني، و إنما ضعف وجودها لضعف إدراك النفس لها لأجل غورها في البدن، و إلا فهي أقوياء الوجود و ظاهرة النورية و الوضوح بحسب أنفسها، لكن هذه المعرفة الضعيفة من النفس لها بحسب المفهوم و المعنى إذا كانت مطابقة لما هي عليها في الواقع يؤدي بعد رفع غشاوة البدن إلى مشاهدة المقربين و مصاحبة المقدسين التي لا سعادة فوق مشاهدتهم، فإن المعرفة التامة في هذه الدنيا بذر المشاهدة التامة في الآخرة، فهذه اللذة العقلية لنفس كملت في هذا العالم بالعلم، فإن كانت منفكة عن العلوم منزهة عن الرذائل ليكون مصروفة الهمم إلى المتخيلات، فلا يبعد أن يتخيل الصور الملذة فينجر إلى مشاهدتها