المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٨
و كل جزء من أجزائه من جوهر أو عرض، مجرد أو مادي، فلكي أو عنصري، بسيط أو مركب جماد أو نبات أو حيوان، ففيها عجائب و غرائب يظهر بها حكمة الله تعالى و قدرته و جلاله و عظمته، ما ينقضي الأعمار دون الوقوف على عشر عشيره، فتأمّل أيها المتفكر في خلق الله تعالى أن مبدع العجائب و صانع الغرائب لما كان غير متناهي القوة و القدرة فلم يجز وقوف رحمته عند حد لا يتجاوزه و يبقى بعد ذلك الإمكان الغير المتناهي من غير أن يخرج من القوة إلى الفعل.
ثم إنه لما امتنع صدور الغير المتناهي مجتمعا، لنهوض براهين التطبيق و التضايف و غيرهما م فبالضرورة لا يمكن ذلك إلا على سبيل التعاقب و الافتراق.
فلا جرم وجب أن يكون من مبدعات الله جوهر بسيط ليصح صدور الممكنات المحدثات المتجددات عنه تعالى، لتقدسه عن التغير، فيجب أن يكون ذلك الجوهر ذا قوة غير متناهية في الانفعال، كما أن الواجب تعالى ذو قوة غير متناهية في الفعل.
ثم لما كان تجدد الحوادث الواردة على الهيولى موقوفا على أمر متجدد بالطبع حادث بالذات ليصير بتجدده و حدوثه الذاتيين منشأ لتجدد الحادثات فأفاد بفضل جوده وجود أجرام كريمة إبداعية دائمة الحركات لأغراض شريفة علوية هي علة لاستعدادات غير متناهية يلحق إلى فاعل غير متناهية التأثير و قابل غير متناهي القبول، لتوجب ذلك إفاضة الخيرات و فتح أبواب البركات دائما، كما في قوله تعالى:" وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها.".
ثم أ لم تنظر أيها السالك سبيل معرفة الله تعالى و ملكوته من ملاحظة أحوال الفلكيات و كيفية أوضاعها لانتفاع السفليات من أنها لو كانت كلها نيرات لأفسدت بإحراقها مواد الكائنات، و لو كانت بالكلية عرية عن النور لبقي ما دون الفلك في وحشة شديدة و ليل مظلم لا أوحش منه، و كذا لو ثبتت أنوارها أو لازمت إلى دائرة واحدة لأثرت بإفراط فيما قابلها و تفريط فيما وراء ذلك.
و لو لم يكن لها حركة سريعة لفعلت ما يفعله السكون و اللزوم. و لو لم يجعل الأنوار الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة و بطيئة مختصة، و لم يجعل دوائر الحركات البطيئة