المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٣
و أما التي ذكرناها، فهي فطرة البدن الذي حصل من الأجسام الخسيسة التي وجودها في أخس المراتب و أبعدها عن الله و مجاوريه من المقدسين.
و قد روي عن النبي حكاية عن الله تعالى أنه قال: ما نظرت إلى الأجسام مذ خلقتها.
فإن أردت يا حبيبي وفقك الله لسلوك طريقه أن تبلغ أشرف المطلوبات و أفضل الغايات التي هي الأمور العقلية و الحقائق الروحانية، فاجتهد أولا في معرفة الأمور المحسوسة، فبذلك يتيسر لك أن تتركها و تزهد فيها و تنال الأمور الغير المحسوسة.
فإن العوالم من المضافات لوقوعها تحت جنس المضاف، فإذا عرفت المحسوسات، عرفت ما وراء المحسوسات. فكما أن من لم يعرف الله، لم يمكنه طلبه و التشوق إليه و السلوك نحوه، فكذلك من لم يعرف الدنيا و حقارة نشئاتها، لم يمكنه رفضها و الرغبة عنها.
و لهذا اعتنى الحكماء بالبحث عن الأجسام و أحوال المحسوسات، لينتقلوا منها إلى الرياضيات ثم إلى الإلهيات.
و لكون الدنيا واقعة تحت جنس المضاف بالقياس إلى الآخرة، قال الله تعالى تنبيها على معرفة النشأة الآخرة:" وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ".
و مما يجب لك أن تعلم أن معرفة الدنيا و المحسوسات و مشاهدتها، هي فقر النفس و شدة حاجتها، و معرفة أمور الآخرة و الروحانيات هي غناؤها و نعيمها، و ذلك لأن النفس في معرفة الأمور الجسمانية محتاجة إلى هذا البدن العنصري و آلاته لتدرك بتوسطها الجسمانيات، و قد مر أن النفس ما دامت في هذه الدنيا، كراكب سفينة هي البدن، و آلاته هي بمنزلة آلات السفينة يشاهد بتوسطها عجائب بحر الهيولى و طبائع المحسوسات، ثم يرتحل و يعبر منه إلى عالم آخر، فإذا حصل لها ذلك فقد استغنت عن الجسد و التعلق به بعد ذلك، كمن استغنى عن السفينة بعد أن عبر بها البحر.
فاجتهد أيها الحبيب في طلب الغناء الأبدي و ربح التجارة السرمدي بتوسط هذا الهيكل و آلاته ما دام يمكنك قبل فناء المدة و فساد الهيكل و بطلان وجوده.
و احذر كل الحذر أن تبقى و تحمل نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل دنياوي لتتم و تكمل به، فتكون ممن يقول:" يا ليتنا نرد فنعمل غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ*" أو تبقى في البرزخ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ*، و من أين لهم أن يشعرون، أيان يبعثون، أو تبقى في الحساب.