المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٨٦
و من توهم أن كون المجرد عالما بذاته وصف زائد على ذاته يستدعي مصداقا لزمه القول بعدم الكون الواجب الحق عالما بذاته إلا بعد تحقق أمر زائد على ذاته تعالى. و هو قول فضيح و ظلم قبيح جدا عند المحققين. و اعترض الإمام الرازي في المباحث المشرقية على الحكماء، حيث ذهبوا إلى أن علوم المجردات بذواتهم لا يزيد على ذواتهم، ب: أن الأشياء التي تعقل ذواتها لو كان عقلها لذواتها غير زائدة على ذواتها لكان من عقلها عقلها عاقلة لذواتها و ليس كذلك، إذ إثبات كونها عاقلة لذواتها يحتاج إلى تجشم إقامة برهان. و بيان إثبات علمها غير بيان إثبات وجودها.
و كذا ليس من أثبت وجود الباري تعالى أثبت علمه بذاته تعالى، بل يلزمه إقامة حجة أخرى له.
فأقول: بعد ما بينا أن معقولية الشيء عبارة عن وجوده لشيء له فعلية الوجود و الاستقلال، أي كونه غير قائمة بشيء آخر.
فالجوهر المفارق لما كان بحسب الوجود العيني غير موجود لشيء آخر بل كان موجودا لذاته كان معقولا لذاته.
و إذا حصلت ماهيته في عقل آخر فصارت بهذا الاعتبار موجودة لشيء آخر وجودا ذهنيا لا لذاته، فلا جرم صارت معقولة لذلك الشيء الآخر لا لذاتها.
و إذا لم تكن بهذا الاعتبار، أي باعتبار وجودها في ذلك العاقل، عاقلة لذاتها فكيف عقلها ذلك العاقل عاقلة لذاتها بهذا الاعتبار، و محصول القول أن عالمية الجوهر المجرد لذاته هي عين وجوده، لا عين ماهيته.
فلا يلزم من ذلك أن من عقل ماهية الجوهر المجرد عقلها عاقلة لذاتها.
اللهم إلا فيما يكون وجوده ماهيته كالواجب الوجود تعالى.
و لما استحال ارتسام حقيقته تعالى في ذهن من الأذهان بالكلية، بل بوجه من الوجوه ككونه واجب الوجود بحسب المفهوم العام، لا يلزم من تعقلنا له تعقلنا (عقله.) لذاته، بل نحتاج إلى استيناف بيان و برهان.
و من توهم أن في كون الشيء عالما بنفسه موضوع العالمية مغاير لموضوع المعلومية بالاعتبار، و قايسة إلى معالجة الشخص نفسه إذ هو من حيث إنه معالج غيره من حيث