المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٨٥
و الحال أن الموجبتين في الثاني لا تنتجان.
بل قالوا إن ما هو مجرد عن المادة إما أن يصح أن يعقل أو لا يصح.
و محال أن لا يصح أن يعقل، إذ كل موجود يمكن أن يعقل.
فإذن صحة معقوليته إما بأن لا يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا بالفعل، أو بأن يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا كالحال في المعقولات بالقوة التي يحتاج إلى مجرد يجردها عن المادة حتى تصير معقولة.
لكن هذا الحكم لا يصح في المجرد بالفعل فإن المجرد بالفعل حيث ما غشيته عوارض مادية لا يحتاج إلى أن يتغير فيه شيء حتى يصير معقولا بالفعل و لا يحتاج العاقل له إلى تقشيره عنها حتى يصير معقولا و يخلص إلى حاق كنهه.
فهو إذن معقول بالفعل، فهو عاقل لذاته، فإن لم يكن عاقلا بالفعل لكان معقولا بالقوة، و قد فرضناه معقولا بالفعل.
فإن قلت: كون الشيء عالما ينكشف له المعلومات حال خارجي مغاير لنفس حقيقته فلا يكون نفس حقيقته العالم وحدها مصداقا لصدق العالم في علم الشيء بنفسه.
فإن كل شيء في نفسه هو هو لا غيره فلو تغير عما هو عليه في نفسه لاحتاج إلى مصداق آخر وراء ذاته فلا بد من كون الشيء عالما بنفسه مثلا من أمر آخر غير نفس ذاته يكون مصداقا لعالميته.
فلا يكون العلم بالشيء نفس حصول ذلك الشيء فقط.
أقول: كون عالمية الشيء في علم المجرد بذاته وصفا خارجا عن نفس ذاته غير مسلم، بل يكون نفس حقيقة الشيء الغير الجسمي مصداقا لكونه عالما بذاته، و لا يحتاج إلى مصداق آخر مغاير لنفسه، فإن صدق المفهومات المتغايرة على ذات واحدة لا يستدعي تغاير المصداقات إلا إذا استلزم ذلك الصدق اختلاف حيثيات، و هو فيما نحن بصدده أي علم المجرد بذاته- غير مسلم، و إن سلم في غيره.
قال الشيخ في التعليقات: إذا قلت إني أعقل شيئا، فالمعنى أن أثرا منه موجودة في ذاتي، فيكون لذلك الأثر وجود و لذاتي وجود، فلو كان وجود ذلك الأثر لا في غيره بل فيه لكان أيضا يدرك ذاته كما أنه لما كان وجوده لغيره أدركه الغير.