المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٨٢
فذاتها بذاتها موجبية لاستعمال الآلات لا بإرادة اختيارية زائدة عليها قائمة بها، بل لما كانت ذاتها في آن وجودها عالمة بذاتها و عاشقة لها و لفعلها عشقا ناشيا عن الذات لذاتها، اضطرت إلى استعمال الآلات التي لا قدرة لها إلا عليه.
و بهذا التحقيق اندفع ما قيل من أن استعمال الحواس فعل اختياري و صدور كل فعل اختياري مسبوق بالتصور و التصديق بفائدة ما، فوجب أن يحمل قبل استعمال الآلات صورة تصورية و تصديقية.
و ذلك لأن نسبتي صدور استعمال الآلات و عدمه ليستا متساويتين. ليلزم الاحتياج إلى المرجح من تصور الفعل و التصديق بالغاية قبل الاستعمال بل المرجح و المقتضي ذات النفس فينبعث الاستعمال عن الشوق الذاتي الذي هو عين ذاتها الدراكة الفعالة.
فلا يكون مسبوقا بتصور ذلك الفعل بل صدور ذلك الجزئي عن النفس هو بعينه تصورها له بلا صورة مستأنفة أخرى كما أدى إليه ذوق أهل الإشراق.
و أيضا من أدرك صورة ذهنية إنما يدركها بعين تلك الصورة لا بصورة أخرى و إلا لذهب الأمر إلى لا نهاية و لزم مع ذلك أن يجمع في محل واحد صور متساوية في الماهية مختلفة بالعدد و هو محال.
فالإدراك مطلقا إنما يحتاج إلى صورة.
و أما الاحتياج إلى صورة ذهنية فقد يكون حيث يكون المدرك غير حاضر عند المدرك. و عدم الحضور إما لعدم وجود المدرك أصلا، أو لعدم وجوده عند المدرك.
فإن كل واحد من الموجودات ليست حاصلة لواحد آخر منها، و إلا لكان كل من له صلاحية المعلومية و ليس كذلك، كما لا يخفى.
بل لا بد مع ذلك في تحقق العالمية و المعلومية بين شيئين من علاقة ذاتية بينهما بحسب الوجود.
فيكون كل شيئين يتحقق بينهما علاقة ذاتية و ارتباط وجودي يكون أحدهما عالما بالآخر إلا لمانع، لأن تلك العلاقة مستلزم لحصول أحدهما للآخر و انكشافه لديه و امتياز عنده.
و هي قد يقع بين نفس ذات المعلوم بحسب وجودها العيني و ذات العالم كما في