المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٧٣
يجب أن يكون في الوجود وجود بالذات، و في الاختيار اختيار بالذات، و في الإرادة إرادة بالذات، و في القدرة قدرة بالذات، حتى تصح أن تكون هذه الأشياء في شيء لا بالذات.
و إليه أشير في الكتاب الإلهي بقوله تعالى:" وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ". و من الإقناعيات أن الوجدان السليم حاكم بأن ذاتا تكون لها في نفسها من الكمالات ما للمحفوفة بها فهي أكمل و أشرف منها، فلو لم يكن كماله تعالى و مجده نفس حقيقته المقدسة بل مع اللواحق، للزم تصور ما هو أكمل و أشرف منه تعالى. و هو ما يكون اتصافه بهذه الصفات بنفس ذاته، و هذا محال.
إذ لا يتصور شيء أكمل و أشرف من صرف الوجود المتأكد الذي هو فعلية محضة يستفيض منه سائر الماهيات الوجود و كمالات الوجود.
و علمت أن ما فرض ثانيا له في كونه صرف الوجود فإذا أمعن النظر فيه ظهر أنه هو بعينه، إذ لا ميز و لا فرق في صرف شيء.
فثبت أن مجده و علوه و بهاءه بنفس حقيقته المقدسة لا بشيء قائم به و قد وقع في بعض خطب أمير المؤمنين و سيد الوصيين عليه أزكى صلوات المصلين:" أول الدين معرفته، و كمال المعرفة التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، و شهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصفه سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثناه، و من ثناه فقد جزأه، و من جزأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حده، و من حده فقد عده، و من قال فيم فقد ضمنه و من قال علام فقد أخلى منه.".
إشارة
اعلم أن الواجب تعالى و إن وصف بالعلم و الجود و القدرة و الإرادة و أمثالها لكن ليس هو لأجل اتصافه بها ذا معان متميزة يختص بهذه الأسماء.
بل كما أنا نقول لكل واحد من موجودات العالم إنه معلومه و مقدوره و مراده و فيض جوده من غير أن يثبت فيه معان شتى، فكذلك نصف موجده بالعلم و الوجود و الإرادة