المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٥٦
إذ الشيء ما لم يكن وجودا و موجودا في نفس حقيقته لا يصير أمرا آخر بارتباطه موجودا.
فقد ثبت أن التأثير و الإيجاد الحقيقي و الفاعلية الحقيقية يختص بواجب الوجود بذاته، كما أن الوجود الحقيقي يختص به تعالى، و هو واحد كما بيناه فلا مؤثر في الوجود إلا هو.
و كما أن كونه موجودا حقيقيا لا غير، لا يوجب أن لا يكون غيره موجودا أصلا كذلك كونه موجدا حقيقيا لا غير لا يوجب أن لا يكون غيره فاعلا.
و إنما يلزم منه نفي الفاعلية الحقيقية عن غيره.
فكون الوجود مطلقا معلولا له تعالى حقيقة لا ينافي إثبات الوسائط و الروابط مثل العقول و النفوس و الطبائع و القوى على ما فعله الحكماء، إذ لا تأثير للوسائط عندهم إلا في التصحيح و الإعداد، دون التأثير و الإيجاد، كما توهمه صاحب كتاب المعتبر من ظاهر كلامهم و شنع به عليهم.
و مما يؤيد ما ذكرناه ما قال الشيخ الرئيس في الإشارات" من أن الأول يبدع جوهرا عقليا هو بالحقيقة مبدع، و بتوسطه جوهرا عقليا و جرما سماويا." و ما قال الشيخ الإلهي في الهياكل:" ليس أن حركات الأفلاك توجد الأشياء و لكنها تحصل الاستعدادات، و يعطي الحق الأول لكل شيء ما يليق باستعداده ..." و كذا قوله بلسان الإشراق:" و الجواهر العقلية و إن كانت فعالة، إلا أنها وسائط جود الأول و هو الفاعل.
و كما أن نور القوى لا يمكن النور الضعيف من الاستقلال بالإنارة، فالقوة القاهرة الواجبة، لا يمكن الوسائط، لوفور فيضه و كمال قوته ..." انتهى.
و لقد أعجبني في هذا المقام كلام إمام الرازي في المباحث المشرقية:" الحق عندي أنه لا مانع من استناد كل الممكنات إلى الله تعالى لكنها على ضربين: منها، ما إمكانه اللازم لماهيته كاف في صدوره عن الباري تعالى فلا جرم يكون فائضا عنه تعالى من غير شرط.