المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٥٥
و انتزاع هذا المفهوم البديهي عن حقيقته تعالى ليس بحسب تمثله في الذهن بل بنحو آخر أشرنا إليه سابقا.
فاستقم في هذا المقام و لا تتبع الأوهام التي تزل بها الأقدام و الأفهام.
فصل إله العالم واحد لا شريك له في الإيجاد
و البراهين الماضية إنما دلت على أن الواجب بالذات واحد، و الآن نريد أن نبين وحدة الإله الخالق للعالم، إذ مجرد وحدة الواجب بالذات لا يوجب كون الإله المؤثر في العالم واحدا.
فنقول: قد علم أن واجب الوجود بذاته واحد لا شريك له في الوجوب الذاتي بل في حقيقة الوجود و كل موجود سواه ممكن بذاته و به صار واجبا موجودا.
فبوجوب استناد كل الموجودات و ارتقائها إليه- تعالى- يلزم أن يكون وجودات الأمور كلها مستفادة من أمر واحد هو الواجب الوجود بذاته.
فالأشياء كلها بالقياس إليه محدثة و نسبته إلى ما سواه نسبة ضوء الشمس لو كان قائما بذاته إلى الأجسام المستضيئة عنه المظلمة بحسب ذواتها فإنه بذاته مضيء و بسببه يضيء كل شيء.
و أنت إذا شاهدت إشراق الشمس على موضع و إنارته بنورها، ثم حصول نور آخر من ذلك النور، حكمت بأن النور الثاني من الشمس و أسندته إليها فكذا حال وجودات الأشياء (فالكل من عند الله).
بل نقول: لما تحقق أن الواجب بذاته هو الوجود الحقيقي، و الموجود في حد نفسه و غيره ليس موجودا في نفسه و إنما يكون موجوديتها باعتبار انتسابها إليه- تعالى- و إن التأثير و الإيجاد حقيقة إنما هو إفادة الفاعل نفس ذات المعلول، متعلقة و مرتبطة بنفسه بحيث يصير بارتباطها به مبدأ لانتزاع الوجود منها و مصداقا لحمل الموجود عليها.