المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٥٠١
مسافر إلى الله تعالى من أول منازل وجودها و هو الهيولوية التي هي في غاية البعد عنه تعالى، لأنها ظلمة محضة و خسة صرفة، و سائر المراتب الوجودية من الجسمية و الجمادية و النباتية و الشهوية و الغضبية و الإحساس و التخيل و التوهم ثم الإنسانية من أول درجتها إلى آخر شرفها.
ثم الملائكة على طبقاتها المتفاوتة قربا و بعدا من الخير المحض جميعا منازل و مراحل إلى الله تعالى.
و لا بد للمسافر إليه تعالى من أن يمر على الجميع حتى يصل إلى المطلوب الحقيقي.
و قوافل النفوس الإنسانية متعاقبة متخالفة، بعضها قريب الوصول و بعضها بعيد، و بعضها واقفة و بعضها راطقة و بعضها سريع السير مقبلا أو مدبرا، و بعضها بطيء السير كذلك على حسب ما جرى قضاء الله تعالى و قدره في حق كل أحد من أهل السعادة و الشقاوة الأصليين، و الأنبياء و سائر القوافل و أمراء المسافرين إليه تعالى، و الأبدان مراكب المسافرين، و من ذهل عن تربية المراكب و تدبير المنزل لم يتم سفره، و ما لم يتم أمر المعاش في الدنيا التي هي عبارة عن حال النفس في تعلقها بالحس، لا يتم. أمر التبدل و الانقطاع إلى الله تعالى الذي هو السلوك، و لا يتم. ذلك حتى يبقى بدنه سالما و نسله دائما و نوعه مستحفظا، و لا يتم. كلاهما إلا بأسباب حافظة لوجودها و أسباب دافعة لمفسداتهما و مهلكاتهما.
أما أسباب الحفظ لوجودهما، فهي الأكل و الشرب لبقاء الشخص و المناكحة لبقاء النوع و دوام النسل.
و قد خلق الغذاء سببا للحياة، و خلق الإناث سببا للنسل، فخلقا للحرث و النسل، إلا أنه ليس يختص المأكول ببعض الآكلين، و لا المنكوح ببعض الناكحين، فإن الغرض في الخلقة سياق الجمع إلى جوار الله تعالى و محل كرامته، لشمول عاطفته و عموم رحمته للكل، فلو ترك الأمر في الأفراد سدى و من غير تعريف قانون مضبوط في التقسيمات و التخصيصات، لتهارشوا و تقاتلوا، و شغلهم ذلك عن سلوك الطريق و السير إلى الخلق، بل أفضى لهم إلى الإفساد.