المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٩٧
ما يناسب أحدهما، معدا لحصول ما يناسب الآخر، فيكون قراءة الكلام النازل في اللوح الإلهي سيما حين الاتصال بعالم النور عند تدبر معانيه و التفكر في حقائقه معدة لهيئات قدسية مطلوبة في الصلاة التي هي معراج المؤمن.
و لا شبهة في أن تكرار الأفعال و الحركات يوجب حدوث الملكات و الأخلاق.
ثم إنا قد بينا سابقا أن الحركات العلوية مبدؤها العلاقة الشوقية الحاصلة في الأجرام الكريمة الفلكية، و منتهاها الإشراقات الفائضة عليها من عللها و أسبابها بتحريك مبدإ الكل لها و تشويقه إياها إليه، فمنه مبدؤها و إليه مرجعها في دورية حركاتها و هو الذي أفاد فيها شوقا أوجب لها بطواف الأطراف. فلله در طائفة بالكعبة طائفة تقربا إلى الله و طلبا لمرضاته.
و الزكاة يوجب صرف النفس عن التوجه إلى الأمور الدنية البدنية و فيها تحصيل لملكة الالتفات إلى غير الله و عدم الأمر بتركها بالكلية لصلاح العالم و انتظامه.
فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل، شر كثير، مع أن دفع الشر به بوجه آخر و الأمر بإيثار على الفقراء لأنهم أحوج إلى الخلق إلى إعطائه و هو عندهم ألذ و توجه لنفوسهم إليه أشد.
و أيضا منافع الدنيا كثيرة، و حبسها على بعضها قبيح عقلا، و كلما كان احتياج الخلق إليه أكثر، وجب أن يكون شركة الناس فيه و توزيعه عليهم أوفر، و لذلك أوجب فى الأقوات العشر و في النقود ربعه.
تنبيه
قد تبين و تحقق بشواهد الشرع و بصائر العقل، أن مقصود الشرائع كلها سياقة الخلق إلى جوار الله و سعادة لقائه و الارتقاء من حضيض النفس إلى ذروة الكمال و من هبوط الأجسام الدنية إلى شرف الأرواح العلية، و ذلك لا يتيسر إلا بمعرفة الله تعالى و معرفة صفاته، و الاعتقاد بملائكته و رسله و كتبه و اليوم الآخر.
لأن قوام الممكن بالواجب و قوام العبد بالرب، فما لم يعرف العبد نفسه بالعبودية