المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٨٧
ما هو واصل إليك أو قائم بك على النحو الذي علمت منا، أن تصور الأشياء و تمثلها في صقع من الجوهر النطقي، فلو لم يجعل الواجب للعالم كله مثالا في ذاتك، لما كان لك خبر مما يباين ذاتك. فسبحان من دبر هذه العجائب في القلوب و الأبصار، ثم أعمى عن دركها القلوب و الأبصار حتى صار قلب أكثر الخلق جاهلا بالقلب و بعجائبه.
فلنعد إلى ما كنا فيه، فنقول: القوة العاقلة من الإنسان يتصور أن يحصل فيه حقيقة العالم و هيئة الوجود تارة من جهة اقتباس الحواس، و تارة من اللوح المحفوظ و الألواح القدرية، و رأى الأشياء فيها، فاستغنى عن الاقتباس من مداخل الحواس.
فإذن للقلب بابان، باب مفتوح إلى عالم الملكوت، فهو اللوح المحفوظ و عالم الملائكة العلمية و العملية بإذن الله.
و باب، مفتوح إلى القوة المدركة و المحركة بإذن الله المتمسك بعالم الشهادة و الملك، فهو جالس في الحد المشترك بين عالم المعقولات و عالم المحسوسات، له وجه إلى ذاك و وجه إلى هذا.
و أما وجه القلب إلى عالم الشهادة و بابه المفتوح إلى الاقتباس من الحواس، فلا يخفى عليك أن عالم الملك و الشهادة أيضا حكاية و مثال لعالم الملكوت نوعا من المحاكاة.
و أما وجهه إلى عالم الملكوت و بابه الداخلي المفتوح إلى مطالعة اللوح المحفوظ و الذكر الحكيم، فيعلمه علما يقينيا في عجائب الرؤيا و اطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس في جهة الحواس.
فإن الرؤيا الصادقة دالة على وجود جوهر مطلع على الجزئيات و الكليات، و هو المراد من اللوح المحفوظ و الذكر الحكيم.
و إنما ينفتح ذلك الباب لمن توجه إلى عالم الغيب، و أفرد ذكر الله على الدوام.
روي عن النبي" ص" أنه قال:" سبق المفردون، قيل: و من هم؟
قال: المستهزون بذكر الله تعالى، وضع الذكر أوزارهم فوردوا خفافا" ثم قال في وصفهم:
" أقبل عليهم بوجهي أ ترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه" ثم قال:
" أول ما أعطيه أن أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبرهم عني".
و مدخل هذه الإخبارات و الإنذارات هو الباب الباطن، فإذن الفرق بين علوم الأنبياء