المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٧٦
فترتسم في القوة الحاسة المشتركة، فإذا حصلت رسومها في الحاسة المشتركة، انفعلت عن تلك الرسوم القوة الباصرة، فارتسمت فيها تلك، فيحصل عما في القوة الباصرة منها رسوم تلك في الهواء المضي المواصل للبصر المنحاز بشعاع البصر، فإذا حصلت الرسوم عاد ما في الهواء فيرتسم من الرأس في القوة الباصرة التي في العين، و انعكس ذلك إلى الحاس المشترك و إلى القوة المتخيلة. و لأن هذه كلها متصل بعضها ببعض، يصير ما أعطاه العقل الفعال من ذلك مرئيا لهذا الإنسان. انتهى كلامه.
و أنت تعلم أن طريقتنا أسد و أوثق من هذه، و كلام هؤلاء في هذا المقام و إن كان بحسب طريقة البحث و عند أهل الاحتجاب عن مشاهدة الصور الغيبية المعلقة في غير هذا العالم في غاية القوة و المتانة، إلا أن من ذاق مشربا آخر، يعلم، أن الصور الشريفة التي يراها السلاك و أهل الكمال و الإلهيون و السفراء أجل من أن يكون منطبعة في قوى إنسانية، و مشاعر مادية بل هي مرئية في غير هذا العالم. فالمصير إلى غير طريقة الانطباع في الصور الغيبية.
ضابط عقلي و تقسيم حكمي
لو أردت أن تسمع خلاصة القول فيما يقع من النفوس في باب الإخبار عن المغيبات على وجه التقسيم المردد بين النفي و الإثبات ليكون ذلك أضبط في الذهن و أحكم في العقل، فأصغ إلى ما نقول فاحتفظ به، بعد تمهيد، أن كل ما وقع و سيوقع من الكائنات فهو محفوظ في الألواح العالية و مضبوط في الجواهر العقلية المستعلية، لأنها عالمة بلوازم حركاتها الكلية، شاعرة بنتائج مقاصدها و أشواقها العقلية من أشخاص الكائنات و جزئيات الحادثات، لأن العلم بالعلل و الملزومات غير منفك عن العالم بالمعلولات و اللوازم كما مر، فصور الكائنات بأسرها موجودة في المدبرات الفلكية. و للكائنات ضوابط كلية محفوظة مرتسمة بقلم الحق الأول على ألواح النفوس، لأنها ليست بصادرة عن الواجب الأول على سبيل الجزاف أو القصد إلى السافل كما زعمته الجهال و المقلدون، بل صدورها على حسب مثل غيبية هي ذكر حكيم.
ثم الإنذارات تدل على أنه عالم بالجزئيات قبل وجودها و بعده، و ليس هذا شأن النفوس السافلة و لا قواها المنطبعة. و هو ظاهر، فليس إلا من جوهر عال يتخيل