المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٦٨
الأشياء، لا سيما ما ناسب أغراض النفس و يكون مهما لها.
و قد مر أن انطباع الصور في النفس عن الجواهر العالية كانطباع الصورة في مرآة من مرآة أخرى يقابلها عند حصول الأسباب و ارتفاع الحجاب بينهما.
و الحجاب هاهنا اشتغال النفس بما يورده الحواس، و لارتفاع هذا الحجاب أسباب كثيرة مثل صفاء النفس بحسب أصل فطرتها و مثل انزعاج النفس و انزجارها عن هذا العالم بسبب ما يكدرها و ينقص عيشها الدنياوي من المولمات و المنفرات، فيتوجه إلى عالمها هربا من هذه الأمور الموحشة، فيرتفع الحجاب بينها و عالمها، و مثل الرياضات العلمية و العملية التي يوجب المكاشفات الصورية و المعنوية، و مثل الموت الإرادي الذي يكون للأولياء، و مثل الموت الطبيعي الذي يوجب كشف الغطاء للجميع، سواء كانوا سعداء، أو أشقياء، و مثل النوم الذي هو أخ الموت في كونها عبارة عن ترك النفس استعمال الحواس في الجملة.
فحينئذ إذا ارتفع الحجاب بالنوم قليلا، يظهر في مرآة النفس شيئا من النقوش و الصور التي في تلك المرائي مما يناسبها و يحاذيها، فإن كانت تلك الصورة جزئية، و بقيت في النفس بحفظ الحافظة إياها على وجهها، و لم يتصرف فيه القوة المتخيلة الحاكية للأشياء بتمثلها، فيصدق هذه الرؤيا و لا يحتاج إلى تعبير.
و إن كانت المتخيلة غالبة، أو إدراك النفس للصور ضعيفا، صارت المتخيلة بطبعها إلى تبديل ما رأته النفس بمثال، كتبديل العلم باللبن، و تبديل العدو بالحية، و تبديل الملك بالبحر أو الجبل. و تحقيقه أن لكل معنى عقلي من عالم الإبداع، صورة طبيعية في عالم الكون، إذ العوالم متطابقة.
فالعلم لما كان مما يتقوى به النفس، و هو جوهر روحاني، و الصور العلمية للإنسان إنما يحصل بعد حذف الزوائد و الاختلاف عما يدركه الحس من أشخاص النوع، و بعد ذلك يكون الباقي صورة غير مختلفة، بل لبا خالصا صافيا سائغا نيله للعقل الإنساني.
و لما كان البدن مثالا للنفس، و اللبن غذاء لطيفا سائغا شرابه للبدن، فيكون نسبته للبدن نسبة العلم إلى النفس، ففي التعبير يعبر به عن العلم.
و من هذا القبيل ما نقل، أن رجلا جاء إلى ابن سيرين، و قال: رأيت كأن في يدي خاتم أختم به أفواه الرجال و فروج النساء. فقال: إنك مؤذن تؤذن في شهر رمضان قبل