المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٦١
نحوه و المرغبين في لقائه.
و كل اعتقاد و مذهب ينافي رحمة الله و هدايته و يبعد الطريق إليه سبحانه، فهو باطل لا محالة فإن ذلك تنافي وضع الشرائع، و تضاد إرسال الرسل و إنزال الكتب، إذ الغرض من جميعها ليس إلا سياقة الخلق إلى جوار رحمة ربهم بأقرب طرق و أيسر وجه.
و من الآراء السخيفة أيضا اعتقاد أكثر الناس، أن أجسام أهل الجنة أجسام لحمية و أجساد طبيعية، مثل أجساد أهل الدنيا مركبة من أخلاط أربعة قابلة للاستحالات و التغيرات معروضة للآفات.
و إذا تأملوا فيما وصف الله تعالى من صفات أهل الجنة، ظهر فساد هذا الرأي، و ذلك قول الله سبحانه" لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ و لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى"، و إنهم خالدون فيها، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ*".
و ما شاكل هذه الصفات التي لا يليق بالأجسام و الأبدان الخليطة و لا يليق بالعقلاء أن يعتقدوا فضلا عن أقوال الأفاضل بل بالنساء و الصبيان و الجهال و العامة. فإن هذا الرأي جيد لهم يليق بأفعالهم و يصلح لهم و يقرب عن عقولهم. و اعلم أن من علامة حقيقة الاعتقادات أن لا يقع فيها تناقض و تخالف، و أكثر آراء المجادلين و طائفة من الكلاميين و المتشبهين بالعلماء، يكون بحيث إذا عرضه صاحبه على عقله أنكره عليه و يجده مناقضا لسائر اعتقاداته و أصوله.
فيقع عند ذلك في شك و حيرة و سوء ظن بربه، و تخيلات فاسدة و لا يجد في العالم أسوأ الناس مذهبا و أسخف الخلق، و أرداهم رأيا و أشد التاجرين خسرانا.
فمن يعتقد أمرا و يكون عقله منكرا عليه و نفسه مرتابة و ظنه سيئا بربه كما قال الله تعالى" وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ".
و من جملة ما ذكرنا في الرداءة و السخافة رأي من يعتقد بأن الله تعالى خلق خلقا و رباه و أنماه و أنشأه و مكنه و قواه و سلطه على عباده متمكنا من بلاده، ثم ناصبه العداوة و البغضاء و خلق له أتباعا و جنودا و هم يفعلون ما يريدون على رغم منه و عداوة له و هو الجاعل لهم المشية و الاستطاعة و طول العمر و المهلة وسعة الرزاق و النعمة.